بعد استشهاد تقي الدين، تغيّر شيءٌ في البيت كله.
لم ينكسر، لكنه ثقل.
ولم تذبل الرايات، لكنها صارت أهدأ في قلوب أهلها.
وكان أكثر من ظهر عليه هذا التغيير بطريقته الخاصة فاطمة أم سعيد.
لم تكن من النساء اللواتي يكثرن الشكوى إذا دخل الحزن، بل كانت على العكس من ذلك؛
كلما عظمت المصيبة هدأ صوتها أكثر،
وصارت حركتها أبطأ،
وكأن روحها تنشغل بالمعنى حتى يقلّ منها الكلام.
لكن صفية —لشدّة ما عرفتها— بدأت تلتقط من ملامحها ما لا يلتقطه غيرها:
أن الجسد الذي كان يسند البيت بصمته بدأ يتخفف من الدنيا قليلًا،
وأن العين التي كانت تنظر إلى الصغار في سعةٍ مطمئنة، صارت تطيل النظر كما لو أنها تحفظهم،
وأن المرأة التي كانت تقف في كل أزمة وقفةً ثابتة، صارت تميل إلى الجلوس أكثر بعد المغرب، وإلى الصمت أكثر بعد العشاء.
دخلت صفية عليها في مساءٍ من تلك الأمسيات، فوجدتها جالسةً قرب النافذة، وبيدها سبحةٌ قديمة تعرفها منذ سنين.
وكان الضوء الهابط من آخر النهار ناعمًا على وجهها، حتى كأن الزمن نفسه أراد أن يلين عند هذه المرأة قبل أن يأخذها.
قالت صفية وهي تقترب:
— أراكِ ساكنة اليوم أكثر من المعتاد.
فرفعت فاطمة رأسها، وابتسمت تلك الابتسامة التي صار فيها من النور أكثر مما فيها من القوة، وقالت:
— السكون في آخر العمر نعمة يا ابنتي، إذا امتلأ القلب بما يكفيه.
جلست صفية إلى جوارها، ولم تحبّ الجملة، لأن القلوب تعرف أحيانًا أن بعض العبارات ليست عابرة.
قالت:
— لا أحب أن تتكلمي كأنك تودعيننا.
فقالت فاطمة:
— وهل أخاف أنا من التوديع إذا رأيت البيت قائمًا؟
ثم سكتت لحظة، وأضافت:
— رأيتُ سعيدًا رجلًا، ورأيتكِ أمًّا وعمادًا، ورأيت عبدالملك على الحكم، ورأيت البنات والصغار، ورأيت البوسنة تقوم من بعض ما كانت فيه. ما الذي أبقى عليه الخوف؟
وكان هذا الكلام نفسه هو ما أوجع صفية؛
لأن تمام الرضا من أفواه الكبار كثيرًا ما يكون بشيرًا خفيًا بقرب الرحيل.
فقالت وهي تحاول أن تردّ المعنى عنها:
— ما زال في البيت ما يحتاجك.
فقالت فاطمة برفق:
— البيت يحتاج دعائي أكثر مما يحتاج يدي الآن.
وسكتتا.
وكان بينهما صمتُ من يعرف أن بعض الأشياء إذا اقتربت لا تُطرد بالكلام.