باب من الرواية

الباب الرابع: عبدالملك بعد الدم الأول… الحاكم الذي لم يعد يخرج بروح الفتى

الفصل الثلاثون — الفتح بعد الفقد

وهنا بدأ التحول العظيم في عبدالملك نفسه.

قبل هذا الفقد، كان يخرج إلى المعارك بعينٍ تعرف الخطر، نعم، لكنه ظل في أعماقه يحمل شيئًا من حرارة الفتوة التي تقول للرجل: سأثبت قدرتي، وسأحفظ البلاد، وسأكسر خصومي، وسأُظهر أنني أهل لهذا العهد.

أما بعد أن دخل الدم الغالي إلى البيت، فقد تبدلت حرارة الشباب بحرارةٍ أخرى: حرارة الأمانة.

لم يعد يخرج إلى المعارك بروح الفتى الذي ما زال يختبر نفسه أمام العالم، بل بروح من صار يعرف أن كل فتحٍ قد يكلّف بيتًا شيئًا من دمه.

صار عبدالملك إذا جلس لمجلس حربٍ أطال الصمت أكثر من قبل.

وإذا قُدمت إليه خرائط الثغور، لم يرَ فيها خطوطًا ومواقع فقط، بل رأى من خلفها البيوت التي تنتظر من يعود ومن لا يعود.

وإذا رفع رجلٌ صوته طالبًا الاندفاع، لم يعد عبدالملك يعجبه الصخب، بل صار ينظر أولًا:

هل يفهم هذا الرجل ماذا يطلب؟

أم أنه ما يزال يتكلم عن الحرب كما يتكلم من لم يدفن قريبًا بعد؟

قال له تقي الدين مرةً بعد هذه الأخبار بأيام:

— الحمد لله أن الله أدخلك هذا الباب وأنت شاب، قبل أن يغرك الظفر ويُفسدك.

فقال عبدالملك:

— أكنتَ تريد لي هذا؟

فقال الشيخ:

— لا أريد لك الألم، لكنني أريد لك الحقيقة.

ثم أضاف:

— القائد الذي لا يعرف ما معنى أن يكون وراء كل قرار بيتٌ قد يُفجع، يقود الناس بعقلٍ ناقص.

ومن يومها، لم تعد خطب عبدالملك العسكرية ولا أحاديثه في المجالس تحمل رائحة الفتوة المتعجلة، بل رائحة الرجل الذي عرف أن الظفر إن لم يُغسل بالخوف من الله على الدم، أفسد صاحبه.