لم تتوقف الفتوح بعد استشهاد تقي الدين.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في بنية العهد كله.
فلو توقفت، لبدت الشهادة كأنها نداءُ رجوعٍ إلى الخوف،
ولبدا البيت الذي ربّى الرجال على الحق عاجزًا عن حمل أثمانه.
لكنها أيضًا لم تعد كما كانت من جهة الشعور الداخلي.
صار كل رايةٍ ترتفع تحمل معها ظلَّ الشيخ.
وكل مجلس حربٍ جديد يصمت فيه عبدالملك لحظةً أطول قبل أن يقرر، كأن القرار يمر أولًا على قبر جده في قلبه.
وكل دعاءٍ من صفية قبل خروج الرجال صار أثقل،
وكل خروجٍ من البيت صار يعرف أن الفقد لم يعد احتمالًا نظريًا، بل بابًا جُرِّب بالفعل.
قال عبدالملك لعبدالله في إحدى الليالي بعد استشهاد تقي الدين بأسابيع:
— كأنني لم أعد أخرج إلى المعارك بالطريقة نفسها.
فقال عبدالله:
— ولا أنا.
ثم سكتا قليلًا، وأضاف عبدالملك:
— لم تعد الحرب خارجية فقط… صارت تمسّ الذاكرة.
فقال عبدالله:
— وربما لهذا نصير أصلب إذا صحّ القلب.
وكانت الجملة نفسها تعبيرًا عن تحول الجيل التالي كله:
أن الدم لم يُضعفهم،
بل نزع من أيديهم بعض بقايا الخفة.
وأما صفية، فكانت تدعو كلما خرج الرجال، ثم تبقى لحظةً أطول بعد الدعاء، كأنها تعرف أن الطريق الذي اختارته الأسرة لم يعد طريق المعاني العالية فحسب، بل طريق الفقد العالي أيضًا.