أما سعيد، فكان أشد من شعر بما يجري، وإن لم يرد أن يسميه.
الرجال الكبار يعرفون هذا النوع من التحولات في أمهاتهم على نحوٍ لا يحتاج إلى لغة.
يعرفون من طريقة النداء،
ومن طول النظرة،
ومن هدوء التعب،
ومن أن الأم التي كانت تسأل عن كل شيءٍ في البيت صارت تسأل عنه لتطمئن، لا لتتدخل.
وكان هذا يربكه في سرّه، لكنه لا يملك عليه كلمةً واضحة.
في ليلةٍ هادئة، دخل عليها بعد أن فرغ من بعض شؤون المجلس، فوجدها وحدها.
جلس عند قدميها كما يجلس الرجال الكبار إذا عادوا إلى أمهاتهم، لا كما يجلس الأمراء في حضرة الناس.
قالت له وهي تنظر إلى وجهه طويلًا:
— أتعبك الحكم يا سعيد.
فابتسم ابتسامةً قصيرة وقال:
— أتعبني قبل الحكم، ثم أتعبني بعده.
فقالت:
— لكنك ما زلتَ ابنًا حين تجلس هكذا.
فقال:
— وهل يخرج الابن من أمه إذا صار له مجلس؟
ضحكت ضحكةً خفيفة، ثم مدت يدها إلى رأسه ومسحت عليه كما كانت تفعل وهو أصغر من ذلك بكثير.
وقالت:
— أردتُ أن أقول لك شيئًا من مدة.
فرفع عينيه إليها، وسكت.
قالت:
— إذا رأيتَ يومًا أن غيابي صار واقعًا، فلا تجعل الحزن يسرقك من البيت.
تحرك شيءٌ في صدره، لكنه تماسك وقال:
— لِمَ تقولين هذا الآن؟
فقالت:
— لأن بعض الكلام إذا تأخر، خرج ناقصًا.
ثم نظرت إليه نظرةً شديدة الصفاء وأضافت:
— يا سعيد، لا تظن أن الرجل إذا صار له شأنٌ كُفِي من الله ابتلاء الفقد. بل قد يزيده الله منه حتى يطهّر مقاصده. فإذا مضيتُ يومًا، فاذكر أنني كنت أريد لك المعنى لا الراحة.
وانخفض رأسه قليلًا.
لم يبكِ كما يبكي الصغار، لكنه شعر أن أمه تضع في قلبه شيئًا يشبه الوصية الأخيرة.
فقال بصوتٍ أجشّ خافت:
— لا تعجلي علينا.
فقالت:
— أنا لا أتعجل. أنا فقط أرتّب قلبي.
وكان ذلك المجلس من المجالس التي لا تُنسى، لأنها تُقال فيها الجمل كما تُقال في آخر الوقت لا في أوله.
ومنذ تلك الليلة، صار سعيد ينظر إلى أمه كلما دخل عليها بعينٍ أخرى:
عين الابن الذي بدأ يحفظ وجه أمه كما يحفظ الناس الأشياء التي يخافون أن تغيب.