ثم جاء اليوم الذي انطفأت فيه فاطمة أم سعيد.
ولم يأتِ صاخبًا، بل جاء على الصورة التي تشبهها:
هادئًا،
متدرجًا،
كأن الحياة نفسها كانت تخرج منها برفق لأنها تعرف قدرها.
كان البيت يومها ساكنًا على نحوٍ مختلف.
الصغار شعروا أن شيئًا كبيرًا يقع وإن لم يفهموا كله،
والرجال خففوا أصواتهم،
والنساء كن يتحركن كما يتحرك الناس في الغرف التي يظنون أن الملائكة أقرب فيها من العادة.
أما صفية فكانت عند رأسها، ومريم قريبة، وسعيد يدخل ويخرج كمن لا يستطيع أن يبقى بعيدًا ولا يقدر أن يحتمل طول الجلوس.
فتحت فاطمة عينيها في لحظاتها الأخيرة، ونظرت أولًا إلى سعيد، ثم إلى صفية، ثم إلى بعض من حولها.
وكان في نظرها رضا لا يفزعه الموت.
حرّكت شفتيها، فمالت صفية إليها، فسمعتها تقول:
— الحمد لله…
ثم قالت كلمةً أخرى خافتة لا تكاد تُسمع، لكنها وصلت:
— امضوا…
كأنها كانت تودعهم لا من البيت، بل من الطريق كله، وتقول لهم: لا تقفوا عند قبري.
ثم خرجت روحها.
ولم ينفجر البيت بالصراخ، بل امتلأ بذلك النوع من الحزن العميق الذي يجعل الدمع أهدأ، لكنه أثقل.
بكت صفية بكاء المرأة التي فقدت سندًا من أسانيد البيت الكبير.
لم يكن بكاؤها بكاء طفلةٍ يتيمة كما سيكون مع مريم، بل بكاء امرأةٍ تعرف أن بعض النساء إذا غبن، غاب معهن لونٌ من الطمأنينة لا يُعوَّض بسهولة.
وبكى سعيد بكاء الرجال الذين يأخذ منهم الموت الصوت أولًا ثم يردّه إليهم مكسورًا.
أما الأبناء والأحفاد، فقد شعروا أن ظلًا من ظلال الرحمة التي كانوا يعيشون فيها قد انطوى.