باب من الرواية

الباب السابع: أول وجه لبخارستان، والرعدة التي قالت لها إنها ليست غريبةً تمامًا

الفصل الثامن عشر — الطريق إلى بخارستان

لما بدأت بخارستان تلوح في الأفق الأخير، أحست صفية بشيءٍ لا يشبه الفرح الخالص ولا الرهبة الخالصة.

كان شعورًا أقرب إلى التعرف الغامض؛ كأن الروح تلمح من بعيد موضعًا كانت تعرفه قبل أن يولد وعيها به.

كانت الطرق هناك مختلفة، والهواء يختلف، واللهجات تختلف، والوجوه تختلف.

لكن شيئًا واحدًا لم يختلف: إحساسها بأنها ليست داخلةً على بلدٍ جديدٍ تمامًا، بل على أثرٍ قديمٍ من نفسها.

نزلت من وسيلة النقل الأخيرة، فلفح وجهها هواءٌ أبرد من هواء بلادها، وفيه رائحةُ أرضٍ ممزوجةٍ بخشب البيوت القديمة ورطوبة الحدائق والسماء المفتوحة.

تنفست بعمق، ثم أغمضت عينيها لحظة، وشعرت أن قلبها يقول لها:

هنا مرّ شيءٌ منكِ قبل أن تعرفيه.

سألت سعيدًا وهي تنظر حولها:

— هل يبدو عليَّ الاضطراب؟

قال وهو يبتسم:

— يبدو عليكِ أنكِ في منتصف معجزة.

وكان يختار كلماته أحيانًا كما يختار الرجل موضع الدرع على جسد من يحب.

فابتسمت ابتسامةً خفيفة، لكنها لم تُطفئ ما فيها من رجفة.

بل زادتها وعيًا بعظمة اللحظة.

ومضيا في الطريق نحو البيت.

وكانت الشوارع تمرّ عليهما ببطءٍ شديد في عين صفية، حتى خُيّل إليها أن العربات تمشي أبطأ من عادتها، وأن الناس أنفسهم يتحركون على هيئة انتظار.

وبين كل شارعٍ وشارع، كانت تقول في نفسها:

ربما عبر أبي من هنا.

ربما مشت أمي في هذا الطريق وهي تحمل سرّي.

ربما بكت هنا.

ربما دعت هنا.

ولم يكن عندها على شيءٍ من ذلك دليل، لكن القلب إذا اقترب من الحقيقة أخذ ينسج حولها احتمالاتٍ تشبه الأدعية.