توقفت رحلتهما في محطةٍ وسيطة قبل الوصول الأخير.
وكان عليهما أن ينتظرا بعض الوقت في صالةٍ أقل ازدحامًا من الأولى، وأكثر هدوءًا.
جلست صفية قرب النافذة، وأخذت تتأمل الناس من بعيد، بينما ذهب سعيد ليأتي ببعض الماء.
وكانت إلى جوارها امرأةٌ عجوز، يشفّ وجهها عن تعب السنين، لكن عينيها فيهما بقايا دفءٍ لا يذهب مع العمر.
نظرت العجوز إلى صفية قليلًا، ثم قالت من غير تمهيد:
— أنتِ ذاهبة إلى أحدٍ تحبينه كثيرًا.
التفتت صفية بدهشة، وقالت:
— كيف عرفتِ؟
فقالت العجوز:
— لأن وجه المنتظرين يشبه بعضه، سواء انتظروا ولدًا أو أخًا أو أمًّا أو وطنًا.
ثم سكتت قليلًا، وعادت تقول:
— كان لي جارةٌ في شبابي، ماتت وهي تلد، وتركت طفلةً لم تكن ابنتي، لكنني أحببتها كما لو كانت من دمي. كبرت الطفلة، ثم سافرت، ثم تزوجت، ثم ضاعت أخبارها لسنوات. كنت كلما رأيت باب البيت الذي كانت تدخل منه أحسست أن الفراغ نفسه ينظر إلي. ثم عادت بعد سنين طويلة. أتدرين ما أول شيء فعلته؟
قالت صفية وقد غمرها الانتباه:
— ماذا فعلت؟
قالت العجوز:
— لم تتكلم. وضعت رأسها في حجري وبكت. وعرفت يومها أن بعض الأرحام لا تصنعها الولادة وحدها.
رجع سعيد فوجدهما على هذه الحال.
جلست العجوز بعدها قليلًا، ثم نهضت، وقبل أن تمضي وضعت يدها على رأس صفية كما تفعل الجدات، وقالت:
— حين تصلين، لا تتعجلي أن تكوني امرأةً كبيرة. دعي الطفلة التي ضاعت تبكي أولًا.
ولما مضت، ظلت صفية صامتةً طويلًا.
فسألها سعيد:
— ماذا قالت لك؟
قالت:
— قالت لي ما كنت أخاف أن أقوله لنفسي.
ثم حدّثته بما دار.
فقال:
— يبدو أن الطريق كله يهيئك لهذه اللحظة.
قالت:
— كأن الله يرسل إليّ وجوهًا صغيرة لتعلمني كيف أصل.