باب من الرواية

الباب الأول: القرار الذي نزل على البيت كأنه تمام حلقةٍ كتبها الله من قبل أن يفهمها الناس

الفصل العشرون — العودة إلى المدينة قبل الولادة

لم يأتِ قرار العودة إلى المدينة فجأةً على هيئة رأيٍ عمليٍّ بارد، كأن أحدهم قال: هناك أطباء أفضل، أو جوٌّ أنسب، أو مكانٌ أصلح للولادة فحسب.

بل جاء من موضعٍ أعمق، من ذلك المكان الخفي الذي تتلاقى فيه الأقدار مع المعاني، فيشعر الإنسان أن بعض الأسفار لا يختارها وحده، بل يُقاد إليها ليشهد تمامَ شيءٍ بدأ قديمًا ولم يكتمل إلا الآن.

كانت صفية قد دخلت أشهر الحمل الأولى وهي ما تزال معلقةً بين الأرضين: أرض بخارستان التي ردّت إليها أهلها، وأرض المزرعة التي بدأ فيها بيتها ومسجدها ونواة عائلتها، وأرض المدينة التي ظلت في قلبها موضعًا لا تستقر صورته؛ تارةً يطلع في الذاكرة مثل بابٍ من نور، وتارةً يمرّ في النفس على هيئة وجعٍ قديم لا اسم له.

وكان الحمل يجعل الروح أرهف من المعتاد، حتى لكأن المرأة وهي تحمل ولدها الأول لا تحمل جسدًا جديدًا وحسب، بل تحمل معها تاريخها كله إلى مرحلةٍ أخرى.

في مساءٍ هادئ بعد صلاة العشاء، اجتمع أهل البيت في المجلس الكبير.

كان تقي الدين جالسًا في مكانه المعتاد، ومريم إلى جواره، وفاطمة أم سعيد قريبة منهما، أما سعيد فكان قد عاد من المزرعة وقد علق في ثوبه غبار العمل ورائحة الخشب الحديث.

جلست صفية، وكان في وجهها ذلك الهدوء الذي يسبق الكلام الكبير.

نظر تقي الدين إلى الجميع ثم قال:

— فكرتُ في أمرٍ أراه صوابًا، وأحب أن نسمعه جميعًا.

ثم التفت إلى صفية أولًا، كأنه لا يريد أن يتكلم في شأنها وهي حاضرة إلا بعينٍ تشعرها أنها أصل الرأي لا موضوعه فقط.

وقال:

— أرى أن تعودي إلى المدينة حتى تضعي حملك هناك.

ساد المجلس صمتٌ قصير، لكنه لم يكن صمتَ اعتراض، بل صمتَ معنى هبط فجأةً على القلوب.

لأن المدينة لم تكن عندهم اسمًا جغرافيًا مجردًا.

كانت موضع البداية الأولى، وموضع الجرح الأول، وموضع الاسم الذي وُلد ثم سُرق.

رفعت صفية عينيها إلى أبيها، ولم تتكلم فورًا.

أما مريم، فقد تنفست ببطءٍ عميق كما لو أن خبرًا قديمًا نهض في صدرها دفعةً واحدة.

وقالت فاطمة أم سعيد، وهي أول من كسر الصمت:

— والله إنها لفكرةٌ يدخلها المعنى قبل المصلحة.

فقال سعيد بهدوء:

— وأنا منذ أيام أشعر أن هذا الحمل يريد المدينة.

ابتسم تقي الدين ابتسامةً خفيفة وقال:

— إذن لم أكن وحدي.

ثم أكمل، ونبرته تميل إلى تلك الجدية التي إذا خرجت من الرجال الصادقين شعرت أنها ليست أمرًا، بل شهادة:

— دخلتُ المدينة يومًا مع أمكِ يا صفية وهي تحملكِ، وخرجتُ منها وأنا أجرّ في صدري شكًّا لا قبر له. واليوم، أرى أن تعودي إليها لا لتُؤخذي منها، بل لتُعطيها. لا رضيعةً تُسرق من صدر أمها، بل أمًّا تحمل ولدها الأول واسمها في يدها.

هنا لم تستطع صفية أن تمنع دمعتها.

وضعت يدها على بطنها، وكأنها تستشير ذلك الكائن الخفي في داخلها، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

— أخافها… وأشتاق إليها… ولا أدري كيف يجتمع الشيئان.

فقالت مريم، وكان في صوتها ارتجاف الأم التي تعرف المكان وتعرف الجرح وتعرف المعجزة أيضًا:

— لأن المدينة في قلبك ليست مكانًا واحدًا. فيها ألم البداية، وفيها وعد الجبر.

وهكذا استقر القرار.