أما مريم، فكان في قلبها من هذه العودة شيئان متضادان لا يتصارعان بقدر ما يتجاوران في وجعٍ عجيب:
فرحُ الأم التي ترى ابنتها ستضع ولدها الأول في مدينةٍ مباركةٍ قرب الحرم، ووجعُ الأم نفسها لأنها تعرف أن المدينة ليست مكانًا نقيًا من الذكريات.
فهي الموضع الذي ضمت فيه صفية يومين، ثم ضاع منها الخبر والرضيعة معًا.
وفي إحدى الليالي، دخلت صفية على أمها فوجدتها ترتب في صندوقٍ صغير بعض الأشياء التي أرادت أن تسافر معها.
كان الصندوق يحتوي على أقمشةٍ ناعمة، وزيتٍ طيب الرائحة، ومصحفٍ صغير، وخيوط حريرٍ بيض كانت مريم تحتفظ بها من زمن.
نظرت إليها صفية وقالت:
— ما هذا كله يا أمي؟
فقالت مريم وهي لا ترفع رأسها أول الأمر:
— هذه أشياء أرسلها معك… وبعضها كنتُ أعددته يومًا لكِ…
ثم سكتت.
عرفت صفية من السكتة ما لم تقله الجملة.
اقتربت منها وجلست إلى جوارها، وقالت بصوتٍ ناعم:
— أعددتِه لي أنا؟
فرفعت مريم رأسها، وكانت عينها مشبعةً بذلك البريق الذي يسبق البكاء عند النساء الصابرات.
قالت:
— نعم. يوم وُلدتِ… ثم بقي في قلبي لا في يدي. واليوم أخرجه لأرسله معك إلى ولدك.
وهنا ساد بينهما صمتٌ لو فُتح لخرج منه بحر.
ثم قالت صفية:
— يا أمي، أخاف عليكِ من هذه الرحلة أكثر مما أخافها على نفسي.
فقالت مريم:
— بل أنا أخاف على نفسي منها أيضًا.
ثم ابتسمت ابتسامةً شاحبةً حلوة وأضافت:
— لكنني تعبت من أن أبقى سجينة الوجع القديم. أريد أن أرى المدينة وهي تعطيك هذه المرة بدل أن تأخذ.
ثم مدت يدها إلى بطن صفية، ولمسته برفقٍ شديد كما لو أنها تتحسس في هذا الحمل اعتذارًا إلهيًا مؤجلًا.
وقالت همسًا:
— يا صغيري… لا تطل الغياب عن هذه الدنيا. لقد طال علينا الليل قبل مجيئك.
وفي مساءٍ آخر، جلست مريم مع فاطمة أم سعيد وحدهما.
وكان في المجلس هدوء النساء الكبيرات إذا خلون إلى بعضهن بلا حاجةٍ إلى المجاملة.
قالت فاطمة:
— أعرف ما في قلبك.
فقالت مريم:
— وهل يخفى؟
قالت:
— لا. لكنني أقول لكِ شيئًا واحدًا: لا تدعي المدينة تبقى في وجدانك موضعَ فقدٍ فقط. الله يغير معاني الأمكنة كما يغير معاني الأعمار.
فقالت مريم وهي تنظر إلى المصباح:
— أحيانًا أخشى أن أصل إلى الموضع نفسه، فتقوم في صدري الأمس كلّه.
فأجابتها فاطمة:
— دعيه يقوم. ثم دعي الوليد الجديد يطفئه.
وكانت هذه من الجمل التي لا تُحلُّ بها الأحزان، لكنها تفتح فيها نافذة.