لم تكن إقامة سعيد في بخارستان إقامة رجلٍ مستريح إلى نعمة المصاهرة فقط، بل كان في داخله شيءٌ آخر يتحرك: رؤيةٌ أبعد من السكن والرزق.
وكان تقي الدين يلحظ ذلك فيه، فيأنس به، لأن الرجلين وإن اختلف العمر بينهما، كان بينهما نسبٌ خفي من حيث النظرة إلى التربية والمعنى.
كانا يجلسان بعد العشاء في طرف المجلس، وأمامهما مصباح زيتٍ هادئ، وصوت الليل خارج الجدران يخف شيئًا فشيئًا.
تبدأ المجالس بالكلام في أحوال الأرض والبناء، ثم لا تلبث أن تخرج إلى ما هو أبعد: كيف ينبغي أن يُربى البيت الجديد، وما الذي يجب أن ينشأ عليه الأبناء الذين لم يولدوا بعد.
قال تقي الدين ليلةً:
— أكثر البيوت تبني غرفًا، ثم تنتظر من الغرف أن تصنع رجالًا. وهذا خطأ. الرجال يُبنون أولًا في الفكرة، ثم تأتي الجدران خادمةً لها.
فقال سعيد:
— وأنا أريد هذا البيت بيتًا يقرأ فيه القرآن كما تُشحذ فيه السيوف.
فقال تقي الدين:
— إذن فنحن على الطريق نفسه.
وكانت صفية تسمع أحيانًا شيئًا من هذا الكلام، فتسكت، لكنّ في قلبها فرحًا عميقًا، لأنها كانت ترى في هذه المجالس نواة المستقبل كله:
أبناءٌ يخرجون من بين القرآن والفروسية، من بين العلم والثبات، لا من بين الترف الخاوي.
وفي مرةٍ خرج الرجال الثلاثة إلى المزرعة بعد الفجر، وكان الضباب يعلو السهل قليلًا.
وقف سعيد في الجهة الشرقية، ثم قال:
— هنا أرى موضع التدريب إذا رزقنا الله أبناء.
فقال تقي الدين:
— لا تعجل… لم يُكتبوا بعد.
فقال سعيد مبتسمًا:
— لكن الرجال يهيئون المواضع قبل أن تأتي الأقدار.
وهنا تدخلت صفية، وكانت تسير معهما على مهل:
— وإذا رُزقنا بنات؟
فقال تقي الدين مبتسمًا:
— نعلّمهن من القوة ما يصونهن، ومن العلم ما يرفعهن، ومن الرحمة ما يجعلهن أمهات السلالة.
فقالت صفية:
— هذا هو البيت الذي أريده.
ثم جلسوا عند طرف الجبل القريب، يحكون قصصًا عن صغارٍ عرفوهم في الأسر والبيوت، من نجا لأن أباه علمه باكرًا معنى الصبر، ومن هلك لأنه كبر على الدعة والهوى.
وحكى تقي الدين قصةً قديمة عن فتىً من بخارستان كان شجاعًا في ساحة القتال، لكنه انهار في أول فتنةٍ من فتنة النساء والمال، ثم قال:
— الفروسية ليست ركوب خيل فقط. الفارس من يثبت في ساحة نفسه أولًا.
حفظ سعيد الجملة.
وحفظتها صفية أيضًا.