توقفت السيارة أخيرًا.
وقال السائق:
— وصلنا.
ولم تتحرك صفية للحظة.
كان البيت أمامها.
بيتٌ عادي في مظهره الخارجي، ببابه ونوافذه وحديقته الصغيرة.
لكن الأشياء العادية إذا حملت في داخلها قدرًا عظيمًا، خرجت من عاديّتها وصارت مخيفةً من شدة ما فيها من معنى.
نزل سعيد أولًا، ثم دار ليعينها.
وضعت قدمها على الأرض، وشعرت أنها لا تنزل من سيارة، بل من مرحلةٍ كاملة من حياتها.
رفعت رأسها فرأت الباب، ورأت في نافذةٍ جانبية ستارةً خفيفة تتحرك، كأن البيت نفسه يتنفس.
قال سعيد بصوتٍ منخفض:
— أنا معك.
ومشيا خطواتٍ بطيئة.
كانت المسافة بينهما وبين الباب قصيرةً في حساب النظر، لكنها طويلةٌ في حساب القلب.
حتى إذا وقفت أمامه، شعرت أن يدها أثقل من أن ترتفع.
رفعتها مرةً ثم أنزلتها.
ثم رفعتها ثانية.
ثم نظرت إلى سعيد نظرةً خاطفة.
فقال:
— اطرقي.
طرقت طرقًا خفيفًا.
ثم ساد صمتٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليعبر في داخلها عمرٌ كامل.
ثم سمعت وقع خطواتٍ من الداخل.
خطواتٍ بطيئة، أقرب إلى الحذر من الاستعجال، كأن من في البيت لم يكن يتوقع زائرًا عاديًا.
وفي الثواني القليلة السابقة لفتح الباب، حدث في داخل صفية ما لا يمكن وصفه وصفًا دقيقًا.
كأن كل الأعمار التي عاشتها دفعةً واحدة صعدت إلى حلقها.
الطفلة، والشابة، والمكسورة، والمريضة، والمتعافية، والزوجة، وصاحبة الرؤيا، كلها وقفت في لحظةٍ واحدة عند عتبة الباب.
حتى إذا انفتح…
توقفت الدنيا.