باب من الرواية

الباب التاسع: البشارة الأولى… حين مرّ عبدالملك في الخفاء قبل أن يُسمّى

الفصل التاسع عشر — بخارستان بعد اللقاء

ومع سكون الأيام قليلًا، وقيام البيت على ساقيه الأولى، وامتلاء النفس بشيءٍ من الأمان بعد طول اضطراب، بدأ في جسد صفية تغيرٌ لطيف لم يغب عن عين الأمّين.

كانت تُتعبها بعض الروائح، وتثقل عليها بعض الساعات، وتغلبها غفوةٌ مفاجئة بعد الظهر، وتستيقظ أحيانًا وفي قلبها خفةٌ غريبة لا تشبه المرض.

كانت مريم أول من لمح ذلك، لكنها لم تشأ أن تبادر بالكلام قبل التثبت.

أما فاطمة، فكانت أصرح بطبعها، فقالت يومًا وهي تراقب صفية وقد تركت بعض الطعام على غير عادتها:

— ما بالُكِ؟ هذا الطبق كنتِ تحبينه بالأمس.

فابتسمت صفية في حياء، وقالت:

— لا أدري… كأن نفسي ليست على حالها.

فنظرت فاطمة إلى مريم، وتبادلت المرأتان تلك النظرة التي تعرفها الأمهات من غير كلام.

وبعد أيام، ثبت الأمر.

كانت صفية تحمل أولَ حملها.

ولم يكن الخبر في البيت عاديًا، لأن الحمل الأول في هذه المرحلة لم يكن مجرد زيادة عدد في العائلة، بل كان أول ثمرة مباشرة للجبر كله: بعد الاسم، وبعد اللقاء، وبعد المزرعة، وبعد البيت، جاء الامتداد.

دخل سعيد على صفية حين أخبرته مريم، فوجدها جالسة قرب النافذة، وعيناها ممتلئتان بفرحٍ مشوب بخشية.

جلس قبالتها، وقال:

— أحقًا؟

فأومأت، ثم ضحكت من بين دموعها، وقالت:

— يبدو أن الله يريد لهذا البيت أن يبدأ سريعًا.

فسكت سعيد لحظةً، ثم مدّ يده إلى يدها وقال:

— لا أريد أن أقول كلامًا كثيرًا يفسد هيبة النعمة… لكنني أشعر أن شيئًا عظيمًا يدخل الرواية الآن.

ثم دخلت مريم وفاطمة، وجلسن معها طويلًا.

كانت فاطمة تروي لها خبرتها في الحمل والولادة، وكيف تحمي نفسها من التعب، ومتى ترتاح، وماذا تأكل، وماذا تتجنب.

أما مريم، فكانت أقل كلامًا وأكثر نظرًا.

تنظر إلى بطن ابنتها نظراتٍ طويلة، وكأنها ترى الزمن يعتذر لها بطريقةٍ لا تجيدها اللغة.

وفي ليلةٍ من تلك الليالي، رأت صفية رؤيا خفيفة لا تكاد تشبه الرؤى الكبرى التي مرّت بها من قبل، لكنها بقيت في نفسها.

رأت طفلًا صغيرًا يقف على ربوةٍ خضراء، وفي يده راية، وخلفه خيلٌ لا تزال بعيدة.

لم ترَ ملامحه واضحة، لكنها رأت في وقفته ثباتًا أكبر من سنه.

فلما حكت الرؤيا لسعيد، قال مبتسمًا:

— إذن فهو ولد؟

قالت:

— لا أدري… لكن قلبي يقول نعم.

فقال:

— وما اسمه؟

فقالت بعد صمتٍ قصير:

— لا أعلم… لكن في صدري اسمٌ ثقيل جميل… عبدالملك.

ولم يكن الاسم قد قُطع به بعد، لكنه مرّ في البيت أول مرة على هيئة خاطر.