باب من الرواية

الباب العاشر: الليل الذي شهد اكتمال المعنى الأول، وبداية المعاني الكبرى

الفصل التاسع عشر — بخارستان بعد اللقاء

في تلك الليلة، بعدما هدأ البيت، ونامت الأصوات، خرجت صفية إلى الساحة الجديدة في المزرعة، وكان بعض الجدار قد ارتفع، ووُضع باب المسجد الصغير في موضعه، وإن لم يكتمل كل شيء بعد.

وقفت تحت السماء، والهواء البارد يمرّ عليها برفق، ثم نظرت إلى البيت نصف المبني، وإلى موضع المسجد، وإلى الأشجار الساكنة، وإلى الأرض الواسعة التي منحها إياها أبوها، ثم وضعت يدها على بطنها في حركةٍ تلقائيةٍ لا واعية.

وجاء سعيد فوقف إلى جوارها.

قال:

— أتفكرين في شيء؟

قالت:

— في أشياء كثيرة…

ثم سكتت، وأضافت:

— أفكر أنني كنت يومًا طفلةً لا تملك حتى اسمها، وها أنا الآن أقف في أرضي، وبجواري زوجي، وأبي وأمي في البيت، وأمّك معنا، وفي رحمي بدايةُ بيتٍ جديد.

فقال سعيد:

— هذه ليست حياةً عادية يا صفية.

قالت:

— أعلم. ولهذا أخافها قليلًا.

فقال:

— لا تخافي من النعمة إذا جاءت بعد امتحانٍ طويل. النعمة التي تُبتلى قبل أن تأتي، تكون أثبت إذا جاءت.

ثم أشار إلى المسجد الصغير وقال:

— غدًا نصلّي فيه أول صلاةٍ إن شاء الله، ولو لم يكتمل إلا بالقدر الذي يسجد فيه الإنسان.

فقالت:

— نعم… أريد أن يدخل الحمد هذا البيت قبل الأثاث.

وفي تلك اللحظة، سمعا من الداخل صوت مريم تناديها، وصوت فاطمة يجيبها، وضحكةً بعيدة لآية بنت عماد الدين، وخطوات رجالٍ يعودون من طرف المزرعة.

فابتسمت صفية وقالت:

— أتعرف؟ لأول مرة في حياتي، لا أشعر أنني زائدة على المشهد.

فقال سعيد وهو ينظر إلى البيت:

— لأنكِ الآن المشهد نفسه.

وبهذا انتهى طور بخارستان بعد اللقاء:

طورُ تثبيت الاسم في البيت،

وتثبيت القلب في الأهل،

وتثبيت القدم في الأرض،

وبدء بناء البيت والمسجد،

واجتماع الأمّين،

وابتداء الحمل الأول.