حين أقلعت الطائرة، شعرت صفية للحظةٍ أن الأرض كلها تنسحب من تحتها، لا على المعنى المادي وحده، بل على المعنى النفسي أيضًا.
فالإنسان إذا صعد إلى الجو، لم يعد بينه وبين الأماكن إلا قدرٌ من الهواء والزمن، وهذا وحده كافٍ لأن يجعل الحقائق أشد وقعًا.
جلست إلى جوار النافذة.
كانت ترى الغيم ممتدًا كأنه بلادٌ بيضاء لا تعرف الحدود.
وفي مثل هذه المواضع، يخفُّ صخب العالم قليلًا، وتعلو الأصوات الداخلية.
قالت لسعيد وهي تنظر إلى البياض الهائل:
— ماذا لو لم أعرفهم من أول نظرة؟
قال:
— ستعرفين.
قالت:
— وماذا لو عرفوني هم قبل أن أعرفهم أنا؟
ابتسم وقال:
— هذا أجمل.
ثم سكتا.
وبعد حين قالت:
— أتخيل أمي كثيرًا، لكنني لا أعرف هل الصورة التي في رأسي تشبهها حقًا.
قال:
— لا يهم أن تشبهها الصورة. يكفي أن يشبهها قلبك حين تراها.
مالت إليه قليلًا، وقالت بصوتٍ أخفض:
— أخاف من الفرح أيضًا.
فنظر إليها طويلًا، ثم قال:
— لأن الفرح إذا جاء بعد حرمانٍ طويل، جاء كبيرًا حتى ليبدو كأنه خطر.
قالت:
— نعم.
فقال:
— لكن الله لا يفتح بابًا بهذا القدر من الإعداد ليتركه ناقصًا.
وفي منتصف الرحلة، غفت صفية غفوةً قصيرة.
ورأت في غفوتها شيئًا كأنه رؤيا صغيرة عابرة:
رأت طفلةً تقف أمام بابٍ عظيم، تحمل في يدها خيطًا أخضر طويلًا، وكلما خافت أن تضيع، ظهر من وراء الباب نورٌ يشد الخيط إليه.
فلما اقتربت، انفتح الباب، ولم ترَ الوجوه أولًا، بل سمعت من الداخل كلمة: تعالي.
انتبهت من غفوتها وقلبها يخفق.
التفتت إلى سعيد، وقالت:
— رأيت شيئًا غريبًا.
فقال:
— خيرًا؟
قالت:
— نعم… لكنه خيرٌ يُبكي.
فلم يسألها عن تفاصيله، لأنه عرف من عينيها أن بعض الرؤى لا تحتاج إلى تفسيرٍ لحظي، بل إلى أن تُترك في القلب حتى تكتمل في الواقع.