وكان من أجمل ما وقع في تلك السنة أن عبدالملك بدأ يدرك —على طريقته الطفولية الأولى— أن أمَّه ليست مثل باقي الأمهات في محيطه، لكن هذا الإدراك لم يخرجه من حضنها، بل قرّبه منها على صورةٍ أخرى.
دخل عليها يومًا وقد كانت تنظر في أوراقٍ، ثم قالت له:
— ماذا تريد يا عبدالملك؟
فقال:
— أريدك.
فضحكت، وفتحت ذراعيها، فجاء وجلس عندها، ثم نظر إلى الأوراق وقال:
— لماذا يأتونك بهذه الأشياء؟
قالت:
— لأن عندهم حوائج.
— مثلنا؟
— نعم… ومثلنا وأكثر أحيانًا.
ففكر قليلاً، ثم قال:
— إذن إذا كبرتُ، أريد أن أعرف حوائج الناس بسرعة.
فوضعت يدها على رأسه، ونظرت إليه نظرةً طويلة، ثم قالت:
— أولًا تعرّف ما يريد الله منك. ثم بعد ذلك ستعرف الناس.
وكانت هذه الجملة، وهي تُقال لطفل، بذرةً من بذور العهد القادم.
فعبدالملك لن يخرج لاحقًا من فراغ، بل من بيتٍ رأى فيه الدولة من داخلها، لا من شعاراتها فقط.