الباب الأول: السنة التي لم يكن فيها الجديد صاخبًا، بل عميقًا
ليست كل السنوات التي تغير البلاد سنواتٍ تُسمع من بعيد.
بعضها يأتي على هيئة زلزلةٍ سياسية، أو معركةٍ كبيرة، أو فتحٍ يملأ أفواه الرواة، وبعضها —وهو الأخطر والأبقى— يأتي هادئًا من الخارج، كأنه لا يحمل شيئًا استثنائيًا، ثم لا يلبث الناس بعد أعوام أن يكتشفوا أن الأرض نفسها قد تغيّرت في داخله.
وهكذا كانت السنة الثانية من حكم صفية.
لم يدخلها الناس وهم ينتظرون قرارًا واحدًا يقلب الموازين، ولا خبرًا عسكريًا يبدل الخرائط، بل دخلوها والبلاد ما تزال تختبر صدق ما وُعدت به في السنة الأولى.
هل كانت تلك البدايات نزوة حكمٍ جديد يريد أن يكسب القلوب ثم ينشغل عنها؟
أم كانت نواة عهدٍ يعرف أن الداخل إذا لم يثبت، فلن يحمي السيف شيئًا مهما لمع؟
أما صفية، فقد دخلت هذه السنة وفي قلبها فهمٌ جديد خرجت به من السنة الأولى:
أن الإصلاح إذا بقي متعلقًا بشخص صاحبه، أمكن أن يُسرق منه متى غاب أو تعب أو شُغل.
أما إذا صار له شكلٌ، ودفتر، ويدٌ أمينة، ومحاسبة، وذاكرة تحفظه، فإنه ينتقل من باب الفضل الفردي إلى باب البناء الذي يبقى.
ولهذا، لم تكن السنة الثانية عندها سنة كرمٍ أكثر فقط، بل سنة نظامٍ أشد.
ولم تكن سنة قلبٍ أوسع فقط، بل سنة عقلٍ يرتب مواضع الرحمة حتى لا تضيع في الطريق.
وفي أول ليلةٍ من هذه السنة، بعد أن هدأ البيت، وجلست وحدها تقلب بعض السجلات التي صارت أكثر عددًا مما كانت عليه من قبل، أحست أن الأوراق نفسها تغيرت.
في السنة الماضية كانت تحمل شكاوى، وحاجات، وأسماء متفرقة، وأخبارًا من قريةٍ هنا وبيتٍ هناك.
أما الآن، فقد بدأت تتحول إلى خرائط للبلاد من الداخل:
أين ينقص الوقف،
أين يكثر الترمّل،
أين تتعثر البنات في طريق العلم،
أين تضيق أقوات القرى البعيدة،
أين توجد امرأةٌ صالحة تصلح أن تكون عينًا أمينة للداخل،
وأين يوجد رجلٌ صالح يفسد ما فيه من خير إن تُرك وحده بلا من يبلغه حقيقة البيوت.
دخل سعيد عليها فرآها شاردةً في السجلات، فقال:
— ما بالك تنظرين إليها كأنك تقرئين وجوهًا لا أوراقًا؟
فقالت:
— لأني صرت أفعل.
ثم رفعت أحد الدفاتر وأضافت:
— هذا ليس دفترًا يا سعيد. هذه قريةٌ كاملةٌ تنام على ظنٍّ أن أحدًا لا يعرفها، ثم تكتشف أن لها عندنا اسمًا وحاجةً ومكانًا في الحساب.
فابتسم، وقال:
— إذن فقد بدأت الدولة تدخل البيوت حقًا.
فقالت:
— بل بدأت تعرف أن البيوت هي التي تحملها أو تسقطها.
الباب الثاني: الوقف الذي خرج من النية إلى البنية
كان أكثر ما شغل صفية في هذه السنة الوقف.
لا لأنه جديدٌ على روحها، بل لأنه الباب الذي رأت فيه لأول مرة كيف يمكن للرحمة أن تتحول من خلقٍ فردي إلى عمود دولة.
لم تكن ترى الوقف زينةً من زينات الحضارة، ولا أثرًا لطيفًا يُكتب في أخبار الملوك لتُحمد سيرتهم، بل كانت تراه شيئًا أشد تواضعًا وأشد أهمية في الوقت نفسه:
حائطَ الكرامة.
فالفقير إذا أُعطي اليوم شكر، لكنه قد يهان غدًا إذا اضطر أن يمد يده من جديد.
أما إذا صار له حقٌّ ثابتٌ في مالٍ محفوظ، لا يتوقف على مزاج هذا الأمير أو سخاء تلك السيدة أو مناسبة عابرة، فإن قلبه نفسه يتنفس بطريقةٍ أخرى.
ولهذا أعادت في هذه السنة النظر في الأوقاف القائمة.
لم تكتفِ بأن تقول: هذه أوقاف قائمة والحمد لله، بل سألت:
هل تصل حقًا؟
هل تُسرق منها أطرافٌ صغيرة لا ينتبه إليها أحد؟
هل يعرف أهل القرى البعيدة أن لهم فيها نصيبًا؟
هل يرتبط بعضها بالعلم كما ينبغي؟
هل تُترجم بعض الغلال إلى خبزٍ منتظم بدل عطايا متقطعة؟
ودعت إلى مجلسٍ صغير جمع تقي الدين، وبعض الكتبة، ورجلين معروفين بالأمانة أكثر من الذكاء، لأنها كانت تقول:
— الذكاء بلا أمانة يسرق أكثر مما يبني.
ثم وضعت أمامهم خرائط بسيطة للأراضي والموارد وأسماء المصارف، وقالت:
— لا أريد أن يبقى الوقف كلامًا كبيرًا يضيع في الطريق. أريد لكل شجرةٍ ولغلتها اسمًا، ولكل درهمٍ موضعًا، ولكل قريةٍ سجلًا.
اعترض كاتبٌ عجوز كان معتادًا على الفوضى المؤدبة، وقال:
— يا سيدتي، هذا يثقل العمل.
فنظرت إليه نظرةً هادئة وقالت:
— أثقل من أن يضيع حق الأرامل؟
فسكت الرجل.
ثم قالت:
— ما كان يثقل العمل إذا حفظ الحق، فهو خفيف.
وفي تلك الأسابيع، خرج الوقف عندها من باب العاطفة إلى باب العمارة الإدارية.
وربطت بعضه بالمشافي الصغيرة، حتى لا يبقى المرضى على حافة الموت في القرى ينتظرون قافلةً عابرة.
قال لها سعيد بعد أحد هذه المجالس:
— أراكِ تنظرين إلى الوقف كما لو أنه جيش.
فقالت:
— هو جيش.
— كيف؟
— لأن البلاد لا يحميها من العدو الخارجي فقط من يحمل السيف، بل من يمنع الداخل أن ينهار جوعًا وذلًا.
فهز رأسه، وقال:
— إذن هذا جيشٌ لا يرى الناس سيوفه.
فقالت:
— لكنه يبقي سيوفهم مرفوعةً يوم يحتاجونها.
الباب الثالث: المدارس الصغيرة… حيث فهمت صفية أن العلم إذا انقطع من الأطراف فسدت العاصمة
لم تكن صفية ترى المدارس زينةً من زينات المدن الكبرى فقط، بل كانت ترى أن خراب الأطراف يبدأ حين يشعر أهل القرى أن العلم شيءٌ يخص العاصمة، أو يخص أبناء الميسورين، أو يخص الذكور وحدهم.
ولهذا، حين بدأت ترتب الأوقاف على وجوهها، وضعت للتعليم بابًا خاصًا لا يُترك للصدف.
في إحدى الجولات، جاءت امرأةٌ من قريةٍ بعيدة ومعها ولدان وبنت.
كان الولدان يذهبان أحيانًا إلى حلقةٍ قريبة، أما البنت فقد انقطعت، لا لضعفٍ فيها، بل لأن البيت لا يملك ما يعينها، ولأن الطريق طويل، ولأن أمها بدأت تسمع من بعض الجاهلات ما يكفي ليجعلها تتردد:
“البنات لا يحتجن كل هذا.”
“العلم الكثير يفسدهن.”
“يكفيها ما تعرف به صلاتها ومطبخها.”
ولما سمعت صفية ذلك من الأم، شعرت بوخزةٍ قديمة صعدت من طفولتها نفسها.
تذكرت القرية الأولى، والجوع إلى الباب المفتوح، وكيف كانت المدرسة نافذتها إلى اتساعٍ لم تعرفه في بيتها.
فقالت للأم:
— ومن قال لكِ إن مطبخ البنت يستغني عن عقلها؟
ثم أضافت:
— إذا ضاق العلم على البنات، ضاق الجيل كله فيما بعد.
مجالس لفتيات القرى بإشراف نساء صالحات أو معلمات مأمونات،
وأدواتٌ تُشترى من الوقف،
وأسماءٌ تُكتب،
ومتابعةٌ لا تترك الأمر لحماسة البداية ثم الفتور.
قال لها تقي الدين مرةً:
— ما بالكِ تقدّمين هذا الباب على غيره في بعض المواضع؟
فقالت:
— لأن من تُترك جاهلة اليوم، قد تكون بعد عشر سنين أمًّا تربي جيلًا كاملًا على ضيقٍ ورعب وخرافة.
فسكت الرجل، ثم قال:
— أنتِ ترين المدى أبعد من كثير من الرجال.
فقالت:
— لأني عشتُ ضيق البيوت من الداخل. من يعيش الجرح، يرى مواضع النزيف أسرع.
وهكذا بدأت السنة الثانية تشهد شيئًا جديدًا:
أن الوقف لم يعد يُطعم البطون وحدها، بل بدأ يُطعم العقول أيضًا.
الباب الرابع: المشافي الصغيرة… رتق الجسد حتى لا ينكسر الروح
وكان المرض من أكثر الأبواب التي تؤذي البلاد بصمت.
لا لأنه يقتل فقط، بل لأنه يُشعر الناس بالعجز إذا صار الشفاء بعيدًا، أو الدواء نادرًا، أو الرحلة إليه أشق من احتماله.
ولذلك رأت صفية أن الحديث عن العدل لا يتم إذا بقيت بعض القرى على حالٍ لا يجد فيها المرء من يداوي حُمّاه أو جرحه أو ولادة نسائه إلا على بُعد أيام.
ولم يكن في البوسنة يومئذٍ ما يكفي من مؤسسات كبيرة، لكنّ صفية لم تنتظر الكمال حتى تبدأ.
قالت:
— إذا لم نستطع مشافي عظيمة الآن، فلتكن مواضع صغيرة صادقة، فيها دواءٌ أساسي، وامرأةٌ تعرف الولادات، ورجلٌ أمين يعرف الجراح الأولى، وسجلٌّ يحفظ ما ينقص.
في قريةٍ جبلية بعيدة، كان الناس إذا اشتدت على امرأةٍ ولادتها أرسلوا إليها من يعرف شيئًا من ذلك، ثم بقوا بين خوفٍ ودعاء، وقد لا يدركون أحدًا إن تعقد الأمر.
فلما وصلهم خبر الموضع الجديد الصغير الذي يضم بعض العلاجات والأدوات والنساء الخبيرات، بكوا من أثر الراحة قبل أن يجربوه.
وكان هذا من تلك الأشياء التي لا يراها أصحاب الصخب السياسي، لكنها تغير صورة الدولة في قلب الناس أكثر من مئة خطاب.
وفي مساءٍ رجعت فيه صفية من مجلس نسائي طويل، قالت لسعيد:
— أكثر ما أخشاه في البلاد ألا يسمع الرجال آلام النساء إلا إذا صارت جنازات.
فقال:
— ولهذا أنتِ تسمعينها قبل ذلك.
قالت:
— لا أريد أن أكون سامعةً فقط.
فقال:
— وأنا لا أريدكِ كذلك.
ثم أضاف:
— لهذا نعطيها من الوقف موضعًا.
فقالت:
— نعم… حتى لا تبقى الولادة والموت قرينين في أذهان الفقيرات.
وكانت هذه الجملة وحدها تصف طبقةً كاملة من الوعي الذي دخل به بيت الحكم إلى حياة النساء.
الباب الخامس: القرى البعيدة… حيث تعلّمت صفية أن العاصمة لا تساوي البلاد
كانت السنة الأولى قد أعطت صفية صورةً عامة عن الداخل، أما السنة الثانية فقد كشفت لها شيئًا أدق:
أن العاصمة —أو موضع الحكم— قد توهم أهلها أن البلاد بخير إذا انتظم ما حولهم، بينما تكون الأطراف بعيدةً عن هذا الخير إلا بالأخبار.
ولهذا شددت في هذه السنة على القرى البعيدة.
لا بد أن يعرف الناس فيها أن الدولة لا تراهم أرقامًا في آخر الحساب، ولا أرضًا تؤخذ منها الجباية إذا استقرت، بل بيوتًا لها عند الحكم اسم ووجه ومكان.
رتبت مع نسائها والرسل الأمناء طرقًا لتتبع أحوال القرى الأبعد.
من يصل إليها؟
من يحصي حاجاتها؟
كيف لا تضيع رسائلها في الطريق؟
كيف يراقب صرف الوقف فيها؟
كيف لا يسرق الواسطةُ بينها وبين العاصمة نصيبها؟
وكان هذا بابًا شاقًا، لأن البعد نفسه يفتح للنفوس الضعيفة شهوة السرقة والتقصير.
وفي أحد المجالس، قال رجلٌ عمليٌّ أكثر مما ينبغي:
— يا سيدتي، هذه القرى بعيدة، وجهدها كثير، وأثرها السياسي المباشر قليل.
فنظرت إليه وقالت:
— وهل أقيس الناس بما يعود علينا منهم مباشرة؟
ثم أضافت:
— إذا شعرت القرية البعيدة أن الدولة لا تعرفها إلا حين تريد منها شيئًا، فستبقى بعيدةً ولو كانت على حدود عاصمتك.
وكان الرد قاطعًا بما يكفي ليُغلق باب الحساب البارد.
ولم تمضِ أشهر حتى بدأت تلك القرى تشعر بالأثر.
خبزٌ يصل على انتظام،
طلبةٌ يُذكرون في السجلات،
نساءٌ يجدن من يطرق عليهن قبل أن يضطررن للشكوى،
وأئمةٌ يفهمون أن لهم وراءهم سندًا لا مجرد اسم حاكم بعيد.
قالت لها امرأةٌ جاءت من قرية نائية بعد أن رأت شيئًا من ذلك:
— كنا نظن أن البلاد لا تبدأ إلا من حيث تسكنون.
فقالت صفية:
— بل تبدأ من حيث يظن الناس أنهم لا يُرون.
وكان هذا من أجمل تعريفاتها العملية للعدل.
الباب السادس: نساء البيوت الرفيعة… حين بدأ الاسم يصعد من الأسفل إلى الأعلى
من علامات تحول السنة الثانية أن اسم صفية لم يعد يتردد فقط بين الفقيرات والأرامل والقرى المتعبة، بل بدأ يدخل إلى أسماع نساء البيوت الرفيعة.
لم يدخلهن بوصفه اسم امرأة في الحكم فقط، فمثل هذا قد يثير الفضول أكثر مما يثير الاحترام، بل دخل على هيئة شيءٍ آخر:
حديث عن بيتٍ ربّى أبناءه على القرآن والأرض والفروسية،
وعن امرأةٍ لم تفسدها السلطة،
وعن وقفٍ اتسع،
وعن بناتٍ لم يُهملن،
وعن داخلٍ بدأ يُضبط من غير قسوةٍ فاقدة للعقل.
بدأ الأمر برسائل استفسارٍ مهذبة، ثم بهدايا صغيرة لا تقصد الرشوة بقدر ما تقصد فتح الطريق إلى التعارف، ثم بزيارات نسائية محسوبة، فيها شيءٌ من الاختبار الصامت:
هل هذه المرأة حقًا كما يُقال؟
أم أن الكلام يكبر كلما ابتعد عن أصله؟
دخلت على صفية في تلك السنة نساء من بيوتٍ عُرفت بالجاه، أو بالعلم، أو بالشرف، أو بالقرب من مراكز النفوذ.
وكان بعضهن يدخلن وفي نفوسهن تحفظٌ خفي:
كيف ستتعامل امرأةٌ خرجت من هذه المسيرة كلها مع امرأةٍ عاشت في بيت ميسور أو ذي نسب ظاهر؟
هل ستشعرها بالفارق؟
هل ستفتتن هي بنفسها؟
هل ستكون خشنةً بحجة الصراحة؟
أم متصنعةً بحجة اللطف؟
لكنهن كن يخرجن غالبًا بانطباعٍ واحد يتكرر بصيغٍ مختلفة:
أن صفية تعرف مقامها ولا تتيه به،
وتعرف الناس ولا تُقسّمهم على طريقة التافهات،
وتستطيع أن تجعل المرأة الغنية تشعر أن الغنى ليس حصانتها من التكليف،
وتجعل الفقيرة تشعر أن فقرها لا ينزع عنها الكرامة.
وفي إحدى الزيارات، دخلت امرأة من بيتٍ رفيع وقالت بعد مجلس طويل:
— كنت أظن أن الناس يبالغون في وصفك.
فقالت صفية مبتسمة:
— وهل خرجتِ على ظنكِ الأول؟
فقالت المرأة:
— نعم… لكن لا كما توقعت.
— كيف؟
— ظننت أنهم يمدحون لطفك فقط، فإذا بهم أغفلوا عن أمورٍ أخرى أخطر: أنكِ مرتبة العقل، بعيدة عن الحسد، ولا تُرعبك منازل الناس.
فسكتت صفية لحظة، ثم قالت:
— لأنني بدأت من موضعٍ لو بقيتُ أسيرة الحسد فيه لضاعت حياتي كلها.
وكان هذا الجواب من الجمل التي لا تُنسى، لأنها خرجت من جرحٍ قديم صار حكمة.
الباب السابع: الخبث الداخلي… ما لا يراه الرجال من مجالس الحكم
وكان هذا بابًا دقيقًا لا يلتفت إليه من لا يعرف البيوت من الداخل.
ففي الرجال وضوحٌ نسبي:
خصومة،
طمع،
حسد،
صفقة،
مؤامرة.
أما في داخل النساء والبيوت، فالخبث أحيانًا أرقّ صوتًا وأبعد طريقًا، لكنه أشد إفسادًا إذا تُرك:
إشاعةٌ تُلقى لتكسر زواجًا،
امرأةٌ تستغل حاجة بنتٍ لتفسدها،
بيتٌ يظلم كنّةً أو يتلاعب بإرثِ يتيمات،
شبكةُ حقدٍ صغيرة تسري تحت المجاملات،
ووجوهٌ تظهر الولاء وتخفي الرغبة في الخراب.
كانت صفية ترى هذا كله.
لا لأنها سوء الظن، بل لأنها مرت في طفولتها وصباها بما يكفي ليجعلها تعرف كيف يتحرك الشر في الزوايا التي لا يراها الرجال.
ولهذا، لم تكن شبكة النساء عندها فقط لنقل الحاجات والصدقات، بل لكشف مواضع الفساد الداخلي أيضًا، من غير فضيحة عابثة، ومن غير تلذذ بتعقب الأسرار.
قالت لنسائها مرةً:
— لا أريد منكن عيونًا تتلصص، بل عقولًا تميز بين ما ينبغي ستره وإصلاحه، وما ينبغي إيقافه قبل أن يفسد بيتًا أو فتاةً أو مالًا.
وكانت هذه العبارة وحدها دستورًا.
فكم من سلطةٍ أفسدها فضولُ من حولها، وكم من إصلاحٍ مات لأن أهله لم يفرقوا بين الستر والتواطؤ.
وفي إحدى القضايا، بلغ صفية خبر امرأةٍ من بيتٍ معروف تستغل حاجة بعض البنات الفقيرات لتجرّهن إلى مواضع ريبةٍ وذل، في صورة مساعداتٍ ظاهرها الخير وباطنها القبح.
لم تثر صفية ضجيجًا، ولم تُلقِ المرأة للفضيحة العامة من أول وهلة.
بل رتبت أمرًا هادئًا، وتثبتت، ثم أرسلت من يقطع الطريق على هذا الباب، وواجَهت المرأة في مجلسٍ محدود من حيث لا تستطيع الإفلات بالكلام.
فلما أنكرت أول الأمر، قالت لها صفية بهدوءٍ قاتل:
— لا تختبئي وراء هيبة بيتك. من يفسد البنات لا يستره نسب.
فانهارت المرأة، لأن الحق إذا قيل في موضعه من غير انفعال زائد، أصاب القلوب الضعيفة في مقتل.
وهكذا بدأ الناس يدركون أن صفية ليست وجهَ رحمةٍ فقط، بل وجهُ حزمٍ يعرف أن الرحمة لا تقوم على ترك الخبث ينخر.
الباب الثامن: البيت نفسه… الأبناء الذين كانوا يرون الحكم من جهتين
وفي هذه السنة أيضًا، بدأ أثر البيت الحاكم نفسه يتضح أكثر، لا عند الناس فقط، بل عند الأبناء.
فعبدالملك لم يعد يرى أباه في صورة الرجل الذي خرج إلى مجلس الحكم فقط، بل صار يسمع منه عباراتٍ عن الرجال والثغور والعدل، ثم يسمع بعده أمه تتكلم عن الداخل، والوقف، والنساء، والقرى، والبيوت.
في أحد المساءات، كان عبدالملك جالسًا قريبًا من الباب، يسمع بعض حديث أبيه مع تقي الدين عن رجالٍ يجب ضبطهم في ناحيةٍ من النواحي، فلما دخل على أمه بعد ذلك وجدها تراجع مع إحدى نسائها أمر أرملةٍ ووقفًا لقريةٍ بعيدة.
فقال وهو في السن التي تجمع بين البراءة وبدايات الفهم:
— لماذا يتكلم أبي دائمًا عن الرجال، وتتكلمين أنتِ عن البيوت؟
فنظرت إليه صفية طويلًا، ثم قالت:
— لأن البلاد لا تقوم بجهة واحدة.
فقال:
— أيهما أهم؟
فابتسمت وقالت:
— إذا اختل الرجال سقط ظاهر البلاد، وإذا اختلت البيوت سقط باطنها. وأنت إذا كبرت، فإياك أن تظن أن الباطن أقل خطرًا لأنه لا يُرى.
فسكت، وقد دخلت الجملة في قلبه كما تدخل الأشياء التي يجد فيها الطفل فجأةً معنىً أوسع مما كان يظن.
أما أحمد، فكان ما يزال أكثر حركة من تأمل، لكنه بدأ يرى أيضًا أن البيت الذي يعيش فيه ليس كغيره من البيوت.
وفي مرة قال لمحمد:
— أمي عندها دفاتر أكثر من أبي!
فضحك محمد، ولم يفهم عمق العبارة، أما صفية فلما سمعتها ابتسمت، لأنها عرفت أن الأطفال يلتقطون الحقائق أحيانًا من أطرف الأبواب.
وكانت تحرص ألا تأكل الدولة البيت، كما فعلت في السنة الأولى.
ساعةٌ للصغار،
ومجالس معهم،
وحضورٌ لا يقطعه إلا الضروري،
وتربيةٌ لا تُترك للمربيات أو الخادمات أو الجدات وحدهن، مهما كان فيهن خير.
لأنها كانت تعرف أن أبناء الحكم إن لم يجدوا أمهم في قلب البيت، خرجوا بعد ذلك إلى الناس بنقصٍ لا يصلحه المجد.
الباب التاسع: الجزيرة تسمع… لا خبرًا عن سيفٍ، بل عن سيرة
مع اقتراب النصف الثاني من السنة الثانية، بدأ الخارج يسمع على نحوٍ أوضح.
ولم يكن السمع هذه المرة من طريق الفتح العسكري، ولا من طريق ترهيب الخصوم، بل من طريق السيرة.
كانت تصل إلى البوسنة رسائل، وتخرج منها رسائل.
وما كان يُحكى في بعض المجالس البعيدة، خاصةً نحو الجزيرة، لم يكن أن في البوسنة امرأةً تجلس إلى جانب الحكم فحسب، بل أن في البوسنة بيتًا غريبًا في حسنه:
رجلٌ يعدل،
وامرأةٌ ترتق الداخل،
وأبناءٌ يُربَّون على القرآن والفروسية،
وأوقافٌ تتسع،
ونساءٌ يجدن بابًا،
وقرى بعيدةٌ لا تُنسى.
وفي إحدى الليالي، جاء كتابٌ من جهة بعيدة في الجزيرة، لا يحمل طلبًا سياسيًا صريحًا، ولا تذللًا، بل نبرة احترامٍ واستفهامٍ عن بعض ما يجري في البوسنة.
قرأه سعيد، ثم أعطاه لتقي الدين، ثم قال لصفية:
— لم يعودوا ينظرون إلينا كبلدٍ منكسر يُرثى له فقط.
فقالت:
— لأن الداخل إذا انتظم، تبدل وجه البلاد من بعيد.
فقال تقي الدين:
— والناس في الخارج لا يرون كل شيء، لكنهم يشمون رائحة الصدق إذا كثرت آثاره.
وساد بينهم صمتٌ قصير، لأنهم كانوا يعرفون أن الاحترام الخارجي قد يكون نعمةً إذا جاء في وقته، وقد يكون فتنةً إذا دخل القلب قبل أن يشتدّ عوده.
ولهذا قالت صفية:
— لا أحب أن يسبق الاسم العمل كثيرًا.
فقال سعيد:
— لم يسبقه.
فقالت:
— الحمد لله.
وكان في هذه الرسائل ما يثبت للبلاد نفسها أنها بدأت تخرج من صورة المظلوم الضعيف إلى صورة الموضع الذي يُلتفت إليه لأنه بنى نفسه من الداخل.
الباب العاشر: مجالس النساء الرفيعات… أول الجسر إلى بيوت النسب البعيدة
ومع اتساع السيرة، بدأت مجالس نسائية أهدأ وأرفع مقامًا تتشكل.
لم تعد فقط مجالس فقرٍ وحاجةٍ ووقفٍ مباشر، بل مجالس تعارفٍ ووزنٍ وامتحانٍ متبادل بين صفية وبعض نساء البيوت ذات الحضور الرفيع في البلاد وخارجها.
وكانت صفية حذرة من هذا الباب.
تعرف أن نساء البيوت العالية قد يحملن الخير والعقل، وقد يحملن أيضًا الترف الذي يستهلك المعاني أو الغيرة المقنعة بالأدب.
ولذلك لم تفتح الباب باندفاع، لكنها لم تغلقه أيضًا، لأن البيت الذي يريد أن يصنع استقرارًا طويلًا لا بد أن يعرف كيف يبني الجسور مع الشرف والجاه والعلم إذا جاء من بابه الصحيح.
في أحد هذه المجالس، دخلت امرأة من بيتٍ مشهود له بالشرف والعلم، وكانت تراقب كل شيء في هدوء:
ترتيب المجلس،
كلام النساء،
طريقة صفية في الإصغاء،
حدود المزاح،
مواضع الجدية،
كيفية ذكر الأطفال،
وحتى شكل الضيافة: هل هي استعراض أم اعتدال؟
وبعد مجلسٍ طويل، قالت المرأة قبل أن تنصرف:
— الآن فهمت لماذا لا يُذكر اسمكِ وحده، بل يُذكر البيت كله.
فقالت صفية:
— وكيف رأيتِه؟
قالت:
— رأيتُ أن الحكم هنا لم يأكل الأمومة، ولم تفسد الأمومةُ الحكم. وهذا نادر.
وكانت تلك العبارة تساوي عند صفية كثيرًا، لأنها لامست موضعًا كانت تحرسه في سرها منذ السنة الأولى.
كما أن هذه المجالس الرفيعة لم تكن بلا أثرٍ بعيد.
وهكذا، من غير ضجيج، كانت السنة الثانية تنسج خيوطًا أبعد من يومها.
الباب الحادي عشر: الحسد الذي عاد بثياب الوقار
وكما في كل طور نجاح، لم يغب الحسد، لكنه تغيرت هيئته.
في السنة الأولى كان بعضه ظاهرًا في الهمس بأن الرحمة تُضعف الحكم، أو أن النساء يُذكرن أكثر مما ينبغي.
أما في السنة الثانية، بعد أن بدأت الآثار تتراكم ويصعب إنكارها، فقد صار الحسد أكثر تهذيبًا في صورته، وأخبث في حقيقته.
صار بعض النساء من البيوت الجيدة الظاهر يأتين بالمجاملات الثقيلة، وعيونهن تمسح المجلس لا لتستفيد، بل لتقارن.
وصار بعض الرجال يتحدثون عن “اتساع نفوذ الوقف” و”كبر دور الداخل” لا اعتراضًا على الأصل، بل لأنهم ضاقوا أن تُصنع في البلاد هيبةٌ من غير أن تمرّ عبرهم.
شعرت صفية بهذا كله، لكنها لم تكن من النوع الذي يشتبك مع كل ظلال الغيرة.
كانت تقول:
— ليس كل حاسد يُعالج بالمواجهة. بعضهم تُهلكه المقارنة وحدها إذا استمر الأثر.
لكنها في الوقت نفسه لم تكن ساذجة.
فإذا رأت خيطًا من الحسد قد يتحول إلى إضرار، قطعت الطريق قبل أن يكبر.
وفي مساءٍ قالت لها مريم أمها:
— أراكِ صرتِ تبتسمين أكثر حين تسمعين بعض الكلام الرديء.
فقالت صفية:
— لأني عرفت وجوهًا من الشر في حياتي لا يليق بعدُ أن يربكني تذمراتُ المترفات أو حسدُ الكسالى.
فضحكت مريم، وقالت:
— هذه حكمةٌ من دفعتِ ثمنها غاليًا.
فقالت:
— نعم… لكنّ الله إذا حوّل الجرح إلى بصيرة، صار بعض الألم نعمة.
الباب الثاني عشر: البيوت التي هدأت
ومن أجمل ما وقع في هذه السنة أنه لم يكن كله في السجلات والرسائل والمجالس الكبرى.
بل في أشياء صغيرة قد لا يكتبها المؤرخون أصلًا، لكنها هي التي تصنع وجه العهد الحقيقي:
بيتٌ كاد يتفكك لأن أرملةً فيه لم تجد ما تسند به صغارها، ثم هدأ.
فتاةٌ كانت ستُقطع عن العلم، ثم استمرت.
قريةٌ بعيدة كانت لا يصلها إلا النسيان، ثم صار لها خبزٌ معلوم.
مسجدٌ صغير كان يختنق، ثم بدأ يتنفس.
امرأةٌ من بيت رفيع كانت تنظر إلى الحكم بعين التوجس، ثم خرجت منه بعين الاحترام.
رجلٌ من أهل الثغور بدأ يفهم أن ضبط الداخل ليس ترفًا ناعمًا، بل جزءٌ من الحراسة.
وطفلٌ في بيت الحكم نفسه بدأ يرى البلاد من بابين: باب أبيه، وباب أمه.
أن البوسنة لم تعد حكمَ رجلٍ عادل وامرأةٍ حكيمة فقط، بل صارت فيها ذاكرة وقف، وشبكة نساء، وبيوتٌ بدأت تشعر أن الدولة تعرف أسماءها.
ولهذا قالت صفية لسعيد في ليلةٍ آخر الشتاء:
— لا أشعر أننا فتحنا البلاد بعد…
فقال:
— ولا أنا.
قالت:
— لكني أشعر أننا بدأنا نمنعها من الانكسار من الداخل.
فقال:
— وهذا أول الفتح.
الباب الثالث عشر: فاطمة الصغيرة… البنت التي كانت تكبر والاسم يكبر معها
وكانت فاطمة، بنت البوسنة، تكبر في هذه السنة على مهل، بينما يكبر حولها أيضًا المعنى الذي ستدخل عليه يومًا.
كان اسمها يتردد في المجالس أحيانًا على سبيل المحبة، وأحيانًا على سبيل الرمز الخفي، لأن الناس أحبوا أن البنت التي ختمت رحلة الانتقال قد صارت وجهًا من وجوه البركة في الموضع الجديد.
ولم تكن فاطمة تدرك من ذلك شيئًا، بالطبع، لكنها كانت في حضن أمها ترى النساء يدخلن ويخرجن، والوجوه تنحني عند السجلات أو ترتفع عند الدعاء، وتسمع في البيت ذكر الوقف والقرى والمساجد والجزيرة، كأنها تتربى من أول عمرها على هواءٍ فيه من الدولة بقدر ما فيه من الحنان.
وقالت صفية مرةً وهي تحملها:
— هذه البنت فتحت البوسنة وهي ملفوفة في قماط.
فضحكت مريم أمها وقالت:
— والبنات أحيانًا يفتحن ما لا تفتحه الرجال بالسيوف.
ولم تكن الجملة مزاحًا خالصًا.
الباب الرابع عشر: الخاتمة… السنة التي صار فيها الداخل مرئيًا
وهكذا انتهت السنة الثانية لا بعاصفةٍ كبرى، بل بما هو أرسخ:
أن الداخل الذي نُظم في السنة الأولى خرج في السنة الثانية إلى وجهٍ يُرى.
صار للبلاد ذاكرة وقف،
وصارت النساء يجدن بابًا لا صدفة،
وصارت البيوت تشعر أن الدولة تعرف أسماءها،
وصارت القرى البعيدة أقل غربة،
وصار الخارج ينظر إلى البوسنة بعين احترامٍ لا شفقة،
وصارت الجزيرة تسمع باسمٍ خرج من البوسنة لا على هيئة سيفٍ فقط، بل على هيئة سيرة ورحمة ونظام.