من بين ما شغل صفية في تلك السنة شغلًا عظيمًا: البنات.
لم تنسَ طفولتها، ولا كيف يكون الحرمان إذا اقترن بالأنوثة في بيئةٍ ضيقة، ولا كيف يكون سقوط السمعة أقرب إلى البنات من البنين في المجتمعات الجاهلة، ولا كيف تقف كثير من البيوت على حافة الهاوية لأن فتاةً واحدة لم تجد من يحمي عقلها أو حياءها أو تعليمها.
لهذا، لم تجعل ملف البنات تابعًا لملف النساء العام، بل أفردت له عناية مخصوصة.
قالت في مجلسٍ صغير مع نسائها:
— الأرامل يكسرهن الفقد، والفقراء يكسرهم العجز، لكن البنات قد يُكسرن قبل ذلك كله من جهة المستقبل. إذا ضاعت البنت ضاع بيتٌ لم يُبنَ بعد.
فقالت إحدى النساء الكبيرات:
— وماذا تريدين لهن؟
قالت:
— ثلاثة أشياء أولًا:
أن لا تُقطع الواحدة منهن عن التعلم لذريعة الفقر إن أمكن دفعه،
وأن لا تبقى عرضةً للجهل الذي يجعلها فريسةَ كلامٍ أو سحرٍ أو ابتزاز،
وأن تجد في البلاد من النساء الصالحات من يسمعها قبل أن تسمع هي من يفسدها.
ولأنها كانت تكره تحويل المعاني الكبيرة إلى شعارات، بدأت بأشياء عملية:
رتبت مجالس صغيرة للفتيات تُدار بحكمة وحياء،
وتابعت أخبار من انقطعن عن التعليم،
وجعلت لبعض الأوقاف نصيبًا محددًا في أدوات العلم وكسوة البنات المحتاجات،
وشجعت النساء الصالحات على أن لا تبقى كل واحدة في بيتها تندب فساد الزمان، بل تفتح بابها لفتاة أو اثنتين من الجيران.
وكان هذا العمل في ظاهره لينًا، لكنه في حقيقته تحصينٌ عميق لسنوات قادمة.
وفي أحد الأيام، جاءت إليها فتاةٌ في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، مصفرة الوجه من الخجل والخوف.
جلست طويلًا لا تتكلم، حتى قالت لها صفية:
— لا أريد منك سرعة الجواب. خذي وقتك.
فقالت الفتاة أخيرًا:
— أبي يريد أن يخرجني من التعلم… ويقول إن البنات لا يحتجن ذلك.
هنا أحست صفية بوخزةٍ حادة.
لم تقل ذلك، لكن في قلبها مرّ شريطٌ كامل من طفولتها والبيت الذي لم يمنحها إلا القليل، ثم المدرسة التي صارت باب نجاتها الأول.
فقالت للفتاة:
— سنكلم أباكِ، لكن قبل ذلك أريد منكِ أن تعرفي شيئًا: العلم ليس رفاهيةً للبنت. العلم يحفظ عقلها إذا قست البيوت.
وكانت هذه الجملة تخرج من معدن المجربة، لا من بلاغة الخطب.