باب من الرواية

الباب الثامن: الخصوم الصامتون… الرجال الذين ضاقوا بأن للرحمة وجهًا سياسيًا

الفصل السادس والعشرون — السنة الأولى من حكم صفية

ولم يكن الجميع مرتاحين لما تفعله صفية.

فبعض الرجال —ممن لا يرون السياسة إلا صفقات رجالٍ وجلسات قوة— ضاقوا بأن تتحول الرحمة المنظمة إلى جزءٍ معتبر من بنية الحكم.

كانوا يستطيعون احتمال رجلٍ عادل ما دام العدل عندهم ينحصر في الجيش والقضاء والجباية والانضباط.

أما أن يصير للنساء صوتٌ منظم، وللوقف وظيفةٌ سياسية أخلاقية، وللأرامل والأيتام موضعٌ حقيقي في حساب الدولة، فذلك مما كان يحرج تصوراتهم القديمة.

بدأوا يهمسون في المجالس:

أن البلاد تُدار بشيءٍ من اللين الزائد،

وأن النساء كثر ذكرهن في المحيط القريب من الحكم،

وأن الفقر لا يُحلّ كله بالإطعام والرعاية،

وأن هيبة الدولة لا تُبنى بهذا الأسلوب “الناعم”.

بلغ بعض هذا الكلام صفية، فلم تغضب لنفسها، بل تبسمت ابتسامةً فيها من المعرفة أكثر مما فيها من السخرية.

وقالت لسعيد:

— بعضهم لا يفهم أن الرحمة إذا نُظمت صارت من أدوات الهيبة، لا من نقائضها.

فقال:

— أعرفهم.

فقالت:

— لا تُكثر مجادلتهم الآن.

— ولماذا؟

— لأن الأثر سيكلمهم بعد أشهر أكثر مما يفعل الجدل.

وكانت محقة.

فالدولة التي يعرف فيها الفقير أن له ظهرًا، والمرأة أن لها بابًا، والإمام أن وراءه سندًا، لا تضعف هيبتها، بل تزداد رسوخًا من حيث لا يفهم المتعجلون.

لكن هذه الهمهمات كانت أول الإنذارات على أن طريق صفية لن يكون معبدًا بالتصفيق.

فكل إصلاحٍ داخلي حقيقي يفضح مصالح كسولة كانت تعيش على بقاء الداخل معطوبًا.