الباب الأول: اليوم الذي تغيّر فيه شكل الصمت داخل البيت
لم يأتِ قرار الخروج من بخارستان في صورة أمرٍ مفاجئ ينزل على البيت كما تنزل الأخبار الحادة التي لا تمهّد لها الأيام، بل جاء على هيئة صمتٍ تغيّر شكله.
فمنذ أشهر، كان البيت يسمع في مجالس الليل كلامًا يطول حول البوسنة:
عن أرضٍ مسلمةٍ مكسورة،
وعن قومٍ أُنهكتهم الانقسامات،
وعن حاجة البلد إلى من يبني قبل أن يحكم،
وإلى من يواسي قبل أن يأمر،
وإلى من يعمر المسجد والمزرعة والسوق والمدرسة قبل أن يرفع راية الدولة على الأسوار.
وكان سعيد وتقي الدين يتكلمان في ذلك كثيرًا، لا بحماسة الرجال الذين يسكرهم الحلم ويغفلون عن ثمنه، بل بعقلٍ بارد الوعي، حار النية.
في إحدى الليالي، بعد أن نام الصغار أو تظاهروا بالنوم، جلس سعيد وتقي الدين في الساحة الداخلية، وبينهما مصباح زيتٍ ساكن، وعلى طرف المجلس كانت صفية تسمع بعض الحديث وهي تطوي ثياب الأطفال استعدادًا ليومٍ تالٍ يشبه ما قبله في الظاهر، ويختلف عنه في العمق.
قال سعيد:
— إذا دخلنا البوسنة ونحن نظن أن الناس ينتظروننا فقط لنأمرهم، خسرناهم من أول الطريق.
فقال تقي الدين:
— وإذا دخلناها بالمال وحده، اشترينا أجسادًا لا قلوبًا.
فقال سعيد:
— وإذا دخلناها بالعاطفة وحدها، انكسرنا عند أول موسم شدة.
فقال تقي الدين:
— إذن لا بد من البناء من القاعدة: العلم، والتحالف، والإغاثة، وحفظ الدين، وتربية الرجال، ثم يأتي بعد ذلك ما يأتي.
وكانت صفية تسمع، وتشعر أن الكلام لا يدور عن بلدٍ بعيدٍ فقط، بل عن مصير بيتها كله.
فخروجهم إلى البوسنة لن يكون سفرًا كسائر الأسفار، بل انتقالًا من مرحلةٍ اكتفت فيها الأسرة بأن تنجو وتبني، إلى مرحلةٍ تُطلب فيها منها أن تكون يدًا لنجاة غيرها وبناءً لغيرها أيضًا.
وحين دخل سعيد عليها بعد المجلس، وجدها ساكتةً أكثر من عادتها.
فقال:
— فيمَ تفكرين؟
قالت:
— في أن البيوت أحيانًا تعتاد السكينة، ثم يطلب الله منها أن تتحول إلى سفن.
فابتسم، وقال:
— وهل تخافين البحر؟
قالت:
— لا أخافه إذا كنتُ أعرف لماذا ندخله.
فقال:
— ندخله لأن هناك أرضًا تنتظر من يحمل إليها شيئًا غير الكلام.
وهكذا نطق القرار في البيت أولًا على هيئة معنى، قبل أن يصير حركةً وصناديق وخيولًا ووداعًا.
الباب الثاني: تقي الدين ومريم… لماذا لم يبقيا خلفهم
لم يكن أحدٌ في البيت يتصور حقًا أن تبقى مريم أو تقي الدين في بخارستان بينما يخرج سعيد وصفية والأبناء وحدهم.
ليس لأن البقاء هناك مستحيلٌ من حيث الصورة، بل لأن الروابط التي صارت بين الجميع في تلك السنوات لم تعد تسمح بأن ينقسم البيت إلى نصفين من غير جرح.
ثم إن تقي الدين ومريم لم يكونا من أولئك الآباء الذين يردّ الله إليهم ابنتهم بعد طول فقد، ثم يرضيان أن يراقباها من بعيد وهي تخرج إلى طورٍ أعظم من أطوار حياتها وحدها.
في صباحٍ صافٍ، اجتمعوا في المجلس الكبير.
وكانت صفية تحمل في رحمها فاطمة، الحمل الأخير الذي بدأ في بخارستان وسيكتمل في البوسنة، بينما كان الصغار يتوزعون بين الساحة والغرف، وكل واحدٍ منهم يلتقط من وجوه الكبار أن شيئًا ما يتشكل.
قال تقي الدين بوضوحٍ لا يحتمل التردد:
— لا تتوهموا أنكم ستخرجون ونبقى.
فقال سعيد، وقد عرف الجواب من قبل لكنه أراد أن يسمعه صريحًا:
— وأنا ما كنتُ لأطلب منكم غير هذا.
فقالت مريم وهي تنظر إلى صفية:
— أنا لم أسترد ابنتي بعد هذا العمر لأودعها عند أول منعطفٍ عظيم.
ثم وضعت يدها على كتفها وأضافت:
— حيث تذهبين ويذهب أولادك، نكون.
وكان لأبناء تقي الدين ومريم أيضًا موقفٌ واضح.
فمنهم من قالها صراحةً:
— إذا كان البيت ينتقل، فنحن من البيت.
ومنهم من لم يحتج إلى قولها، بل بدأ من ساعته يعدّ ما يلزمه، ويهيئ نفسه.
وهكذا خرجت الهجرة من كونها رحلة زوجين وأبناء، إلى كونها انتقال عائلةٍ بكامل جذرها المؤسس.
الجد، والجدة، والإخوة، والنساء، والصغار، وكل من ارتبط بالمشروع من داخله لا من طرفه.
وفي تلك الليلة، قالت صفية لأمها وهما ترتبان بعض الثياب:
— أحيانًا أخاف أن أكون أنا التي تسحبكم من استقراركم.
فقالت مريم من غير أن ترفع رأسها:
— يا ابنتي، الاستقرار ليس دائمًا في الجدار نفسه. أحيانًا يكون الاستقرار في الناس الذين نمضي معهم.
ثم رفعت عينيها وأضافت:
— ثم إننا لا نخرج إلى مجهولٍ عبثًا. نخرج إلى معنى.
وكان هذا الجواب من تلك الأجوبة التي لا تنهي الخوف، لكنها تجعله أخف على القلب.
الباب الثالث: الأيام الأخيرة في بخارستان… الحزن الجميل الذي يزور البيوت إذا اكتمل زمنها
لم تكن الأيام الأخيرة في بخارستان حزينةً حزن الفقد، ولا فرحةً فرح البداية الخالصة.
كانت من ذلك النوع المركب الذي يزور البيوت إذا اكتمل فيها طورٌ كامل، وعرفت الجدران أن أهلها سيغادرونها لا زهداً فيها، بل لأن الحياة نفسها تدعوهم إلى فصلٍ آخر.
كانت صفية تمشي في المزرعة، وتنظر إلى الأشجار التي شهدت رضاعاتها الأولى، وإلى المسجد الصغير الذي سمع تلاوات عبدالملك الأولى، وإلى الساحة التي تعثر فيها أحمد وهو يجري خلف أخيه، وإلى الزاوية التي جلست فيها تحمل محمدًا ومريم معًا، وإلى الباب الذي علّقت عنده أول قوسٍ خشبي لعبدالله، وإلى الموضع الذي كانت تجلس فيه خديجة وعائشة عند قدمي الجدة مريم.
وكان كل حجرٍ من البيت يملك في ذاكرتها حادثةً، وكل زاويةٍ من الساحة تحفظ مشهدًا، حتى شعرت أن المكان لم يعد خارجيًا، بل صار في لحمها حقًا.
وفي عصرٍ من تلك الأعصار، خرجت وحدها إلى المسجد الصغير بعد أن نام بعض الأطفال وانشغل بعضهم الآخر مع تقي الدين في طرف الساحة.
صلت، ثم جلست عند الباب طويلًا.
كانت يدها على بطنها، وفي داخلها فاطمة، بينما عينها على جدار المسجد الذي شهد أول مراحل الأسرة.
وقالت في سرها:
— يا رب، لا تجعل هذا الرحيل كسرًا على المكان، بل زيادةً في معناه.
ولم تكن تكلم الجدران هذه المرة كما كلمتها يوم خرجت إلى المدينة لتلد عبدالملك، بل كانت تكلم التاريخ القصير الذي صنعوه هنا.
تاريخًا بدأ ببيتٍ يُبنى ومزرعةٍ تُسقى وأطفالٍ يولدون، ثم ها هو يُطلب منه أن يتحول إلى مشروع أوسع.
وفي المساء، جاء يونس الحارس العجوز، وكان قد عرف من حركة البيت ما يكفي لفهم الخبر قبل أن يُقال له.
وقف عند باب الساحة وقال:
— أحقٌّ ما سمعته؟
قال سعيد:
— وما الذي سمعت؟
قال يونس:
— أنكم سترحلون إلى البوسنة.
فسكت سعيد قليلًا ثم قال:
— نعم.
فأطرق العجوز، ثم قال:
— كنت أعلم أن هذه الأرض ليست آخر خطاكم… لكنها كانت تحتاج أن تتشرف بمروركم أولًا.
ثم نظر إلى الأطفال الذين كانوا يركضون في طرف الساحة، وقال:
— هؤلاء لم يعودوا يشبهون أول يوم جئتم.
فقال سعيد:
— ولا نحن.
فابتسم يونس ابتسامةً حزينةً جميلة، وقال:
— إذن فاحملوا ما زرعتم هنا، ولا تتركوه في بخارستان.
الباب الرابع: الصناديق، والدفاتر، واللجم… كيف يستعد البيت الكبير للرحيل
إذا أرادت عائلةٌ كبيرة أن ترحل، لم يكن الرحيل مجرد شدّ رحالٍ على عجل، بل طقسًا كاملًا من إعادة ترتيب العالم.
كل شيءٍ يُنظر فيه من جديد:
أي الثياب تُحمل؟
أي الكتب تُقدَّم على غيرها؟
أي الأواني تبقى؟
أي الأدوات الزراعية تُنقل؟
أي الخيول تصلح للطريق؟
أي الأطفال يُجلسون في أي موضع؟
أي النساء يحتجن راحةً أكثر؟
وأي الرجال يتقدمون، وأيهم يتأخرون؟
صار البيت في الأيام التالية كخلية نحلٍ تعرف مقصدها.
تقي الدين يشرف على ما يخص المال، والوثائق، والتحالفات الأولى، والرسائل التي ينبغي أن تصل قبلهم إلى بعض من يعرفونهم في الطرق والبلدان.
سعيد يُعنى بالخيل، والعربات، والزاد، وبالرجال الذين سيرافقون القافلة أول الطريق.
مريم وفاطمة أم سعيد ترتبان ما يخص الأطفال والنساء والولادة المحتملة إذا فاجأتهم فاطمة في الطريق.
أما صفية، فكانت تدير من داخل هذا كله الشيء الأصعب:
أن تجعل البيت يرحل من غير أن يشعر الصغار أنه ينهار.
كان عبدالملك قد صار في سنٍّ يلتقط فيها الكلمات من نصفها، ويجمع بين النظرات، ويفهم أن البوسنة ليست زيارةً قصيرة.
أما أحمد، فكان يسأل أسئلةً متتابعة لا تنتهي:
— هل في البوسنة خيول؟
— هل فيها جبال أعلى؟
— هل المسجد هناك أكبر؟
— هل سنعود بعد أيام؟
وكانت محمد ومريم يكرران بعض الكلمات فحسب، بينما عبدالله يحدق في الصناديق مندهشًا، وخديجة وعائشة تتشبثان بثوب أمهما كلما رأتا حركةً غير معتادة.
وفي إحدى الليالي، جلس سعيد مع عبدالملك قرب المصباح، وقال له:
— سنسافر إلى أرضٍ اسمها البوسنة.
فقال عبدالملك:
— مثل المدينة؟
قال:
— لا.
— مثل بخارستان؟
— لا.
— إذن كيف؟
فنظر سعيد إلى أبيه تقي الدين ثم عاد إلى ابنه وقال:
— مثل أرضٍ تنتظر من يصلحها ويحبها.
فسكت عبدالملك كأنه يفكر أكثر مما ينبغي لسنه، ثم قال:
— وهل سنأخذ المسجد معنا؟
فضحك المجلس، لكن الضحكة انكسرت بشيءٍ من الدمع في عين صفية.
أما تقي الدين فقال:
— لا نأخذ حجارة المسجد، لكننا نأخذ ما بُني فينا فيه.
وهذه كانت خلاصة الرحيل كله.
الباب الخامس: مجلس التخطيط الأخير… لماذا لم تكن البوسنة عندهم غنيمةً بل أمانة
في الليلة السابقة لتحرك القافلة، عقد سعيد وتقي الدين مجلسًا أخيرًا مع الرجال الأقرب إليهما في الفهم والعزم.
لم يكن مجلس تعبئةٍ عاطفية، بل مجلس تحديد وجهة العمل عند الوصول.
وهنا خرجت فلسفة المرحلة الجديدة بأوضح صورها.
قال سعيد:
— أكررها مرةً أخيرة: نحن لا نذهب لنرفع رايةً فوق رؤوس جياع ثم نتركهم جياعًا.
وقال تقي الدين:
— ولا لنملأ الساحات خطبًا ثم نترك القرى خربةً والمدارس خاليةً والمساكين بلا ظهر.
وقال أحد الرجال:
— إذن بماذا نبدأ؟
فقال سعيد:
— نبدأ بالناس قبل الاسم الكبير.
— كيف؟
— بالمزرعة، والخبز، والعلم، والتحالف، والإغاثة، وفتح مواضع التعليم، وبناء الثقة، وإعداد الرجال للفروسية، وربط ذلك كله بالمسجد.
وقال تقي الدين:
— ومن أراد دولةً بغير مجتمع، فقد أراد سرابًا.
أما صفية، فلم تكن خارج هذا الفهم، بل كانت تعرف أن البوسنة ستحتاج منها ضلعًا لا يقل أهمية عن ضلع الرجال.
فإذا كان سعيد وتقي الدين يحملان رؤية البناء العام، فإنها هي كانت تعرف أن ثغورها ستكون في البيوت، وفي النساء، وفي الأيتام، وفي الجرحى، وفي تحويل الرحمة المنظمة إلى مؤسسة لا إلى نوبات عطفٍ عابرة.
وكان هذا من معدنها منذ البداية:
أنها لا تدخل المشروعات الكبرى من باب الزينة، بل من باب الروح.
وفي آخر المجلس، قال تقي الدين لسعيد:
— إن نجحنا في كسب قلوب الناس قبل سيوفهم، قامت لنا في البوسنة دولةُ معنى قبل أن تقوم دولةُ حكم.
فقال سعيد:
— وهذا هو الذي نريده.
الباب السادس: وداع بخارستان… حين بكت الأرض ولم تسألهم أن يبقوا
طلع صباح الرحيل أخيرًا.
وكان الصباح من تلك الصباحات التي تبدو فيها الأشياء أكثر وضوحًا من المعتاد، كأن الدنيا نفسها تعرف أن هذه الوجوه لن تمرّ من هذه الزاوية بالطريقة نفسها مرةً أخرى.
خرجت القافلة شيئًا فشيئًا من البيت والمزرعة.
صناديق، ودواب، وعربات، ونساء، وصغار، ورجالٌ يتقدمون ويتأخرون، وكل منهم يحمل على كتفيه ما يرى أنه أثمن من غيره.
لكن أثقل ما كان يخرج لم يكن ما في الصناديق، بل ما في القلوب.
وقفت صفية عند باب البيت طويلًا قبل أن تركب.
نظرت إلى الساحة، إلى الشجرة القريبة، إلى المسجد الصغير، إلى العتبة التي جلست عندها أكثر من مرةٍ ومعها رضيع أو تعب أو دعاء.
ثم اقتربت من الجدار ببطءٍ ومدت يدها إليه، ولم تقل شيئًا طويلًا، بل فقط:
— جزاك الله عنّا خيرًا.
ولم تكن الجملة موجهةً إلى الحجارة حقيقةً، بل إلى الزمن الذي احتواهم هنا.
أما مريم، فقد بكت وهي تنظر إلى الغرف التي شهدت عودة ابنتها بعد أن عرفتها، وشهدت أولادها واحدًا بعد واحد.
وقالت لفاطمة أم سعيد:
— ما كنت أظن أنني سأحب أرضًا غير بخارستان إلى هذا الحد.
فقالت فاطمة:
— لأن الأرض إذا شهدت الجبر، دخلت في الروح.
ثم مسحت دمعتها وأضافت:
— لكن الروح أوسع من أرض واحدة.
وجاء يونس أخيرًا يحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض التراب من طرف البستان، وقال لسعيد:
— خذ هذا.
فقال سعيد متعجبًا:
— وما أصنع بالتراب؟
قال العجوز:
— ليس للزراعة… للذكرى. إن نسيتكم الأيام، تذكركم رائحة الأرض الأولى التي قامت فيها ذريّتكم.
فأخذ سعيد الكيس في صمتٍ تأثر به أكثر مما أظهر، ثم عانق العجوز عناقًا طويلًا.
وهكذا ودّعوا بخارستان.
لا كمن يهرب منها،
ولا كمن يشبع منها فيتركها،
بل كمن يحمل فضلها معه ويمضي.
الباب السابع: الطريق الطويل… كيف تُختبر العائلة الكبيرة وهي تمضي بين بلدين
لم تكن الطريق إلى البوسنة طريقًا تُقطع في يومٍ واحد، ولا على مهلٍ خالٍ من المشقة.
كانت رحلةً تحتاج إلى صبرٍ من نوعٍ آخر؛
صبر الرجال على التدبير واليقظة،
وصبر النساء على الأطفال والتعب والحمل،
وصبر الصغار على المجهول الذي لا يفهمونه كاملًا.
في الأيام الأولى، كان الأطفال مأخوذين بمتعة الحركة وتغير المشاهد.
عبدالملك يطيل النظر إلى الطريق، ويسأل قليلًا لكنه يفهم كثيرًا من العيون.
أحمد لا يملّ من السؤال عن كل شيء.
محمد ومريم يتناوبان بين النوم والانتباه والدهشة.
عبدالله يتعلق حينًا بأبيه وحينًا بجده.
أما خديجة وعائشة، فكانتا في سنٍّ تجعل السفر عندهما خليطًا من التعب والفضول والبكاء المفاجئ.
وكانت صفية، وهي حامل بفاطمة، تقاسي من الطريق ما لا تشتكي منه كثيرًا.
تُخفي بعض ألمها حتى لا تضيف إلى أعباء الرجال عبئًا، وتبتسم للصغار إذا اضطربوا، وتطلب الماء بهدوء، وتكتفي بالصمت إذا اشتد التعب.
لكن مريم كانت تعرفها من وجهها، وفاطمة أم سعيد كانت تعرفها من يدها إذا أمسكت شيئًا ثم أطلقته سريعًا من الوهن.
لذلك كانتا تتناوبان على خدمتها من غير ضجيج.
وفي إحدى محطات التوقف، جلسوا قرب جدول ماءٍ صغير ليستريحوا.
وكان الغروب قد صبغ السماء بلونٍ حزين جميل.
جلس عبدالملك إلى جوار جده تقي الدين، وسأله فجأة:
— هل البوسنة بعيدة لأن الله يريدنا أن نتعب إليها؟
فنظر تقي الدين إليه طويلاً، ثم قال:
— أحيانًا تكون المسافات الطويلة امتحانًا لما إذا كان القلب يريد الشيء حقًا.
فقال الطفل:
— وأنا أريده لأنكم تريدونه.
فهز تقي الدين رأسه ببطء، وشعر أن أولاد هذا البيت يبدؤون الشرب من النبع الصحيح.
أما في الليل، فكانت القافلة تتوقف حيث يتهيأ لها الأمان.
تُضرب الخيام أو تُرتّب أماكن الراحة في النزل العابرة، ويُصلَّى، ويُطعَم الصغار، وتُراجع أحوال الخيل والزاد.
وفي إحدى الليالي اشتدّ المطر، واهتزت بعض الأغطية، وبكى الصغار، فكانت تلك من اللحظات التي يظهر فيها معدن البيوت.
لم يصرخ أحد، ولم يتحول الاضطراب إلى فوضى.
سعيد يثبت الرجال ويطمئن الأطفال،
تقي الدين يراجع ما يلزم من حراسة،
النساء يجمعن الصغار في كتلة دفء واحدة،
وصفية، على رغم تعبها، كانت تمسح على رؤوسهم واحدًا واحدًا حتى هدؤوا.
وكانت تلك الليلة نفسها درسًا صغيرًا في معنى الأسرة الرسالية:
أن تكون الرحلة شاقة، لكن البيت لا يتفكك.
الباب الثامن: البشارة التي نزلت بين الطريقين… واشتداد حمل فاطمة
ومع امتداد الطريق، بدأ حمل فاطمة يشتد.
ولم يعد الأمر مجرد تعبٍ عادي يصيب المرأة الحامل في السفر، بل صار يقترب من الموعد الذي يجعل كل محطة تُحسب، وكل مسافةٍ تُنظر بعينين بدل عين.
في صباحٍ رمادي، بعد ليلةٍ صعبة، قالت صفية لمريم وهي تحاول أن تخفي انقباضة ألم:
— أظن أن فاطمة لم تعد تحب التأخير.
ففهمت مريم من نبرة الصوت أكثر مما فهمت من الجملة، فقالت بهدوء:
— لا تجهدي نفسك اليوم.
وسمعتها فاطمة أم سعيد، فاقتربت ولم تقل: “أأنت بخير؟” كما يقول الجاهلون بما لا يقال في وقته، بل قالت فقط:
— سأكون بجوارك.
وحين علم سعيد أن الألم بدأ يشتد قليلًا، لم يُظهر ارتباكًا يربك غيره، لكنه أعاد ترتيب حركة القافلة في الحال.
صار التوقف أكثر، والسرعة أهدأ، والبحث عن موضع الوصول التالي أقرب إلى الضرورة.
أما تقي الدين، فكان يمشي في هذه الساعات على حافة الدعاء الكامل؛ لا يرفع صوته به، لكن من ينظر إلى عينيه يعرف أن قلبه لا ينقطع عنه.
وفي ساعة استراحةٍ قريبة من حدود الدخول إلى البوسنة، جلست صفية وحدها قليلًا تحت شجرة، وأخذت نفسًا طويلًا.
جاءها سعيد وجلس إلى جوارها.
قال:
— هل اشتد؟
قالت:
— ليس بعد… لكنه يقترب.
فسكت لحظة ثم قال:
— كنتِ تقولين إنك تشعرين أنها ستولد في البوسنة.
فابتسمت ابتسامةً متعبة وقالت:
— نعم… وكأنها تعرف بابها.
فقال:
— إذن لنسبق بها إلى الباب.
فنظرت إليه وقالت:
— أحيانًا أشعر أن هذه البنت تأتي على عتبة زمنٍ جديد، لا على عتبة بيت جديد فقط.
فقال:
— وهذا صحيح.
وكان في هذه الكلمات من الحقيقة أكثر مما يبدو.
الباب التاسع: أول وجه للبوسنة… الأرض المكسورة التي لم تمت
ثم لاحت البوسنة.
لم تدخلها الأسرة كما دخلت بخارستان يوم كان باب النسب ينتظر صفية، بل دخلوها هذه المرة على هيئة قافلةٍ تحمل معها بيتًا كاملًا ومشروعًا كاملاً.
وكان أول ما أصابهم عند النظر إليها أن الأرض بدت كإنسانٍ جميلٍ أنهكته الجراح لكنه لم يمت.
الجبال هناك أوسع حضنًا وأشد خضرة،
والسهول مفتوحة على مسافاتٍ تدعو إلى الزرع والرعي والخيول،
والقرى المسلمة تحمل في بعضها آثار إيمانٍ قديم، وفي بعضها الآخر آثار ضعفٍ طويل.
وكان في الجو شيءٌ من الحزن النبيل، ذلك الحزن الذي يخلفه التاريخ إذا مرّت على البلاد مواسم ذلٍّ ثم ظلت فيها بقية نور.
وقف سعيد في موضعٍ مرتفع نسبيًا، ونظر طويلًا.
وقف تقي الدين إلى جواره، ثم قال:
— هذه أرضٌ تحتاج من يحبها قبل أن يحكمها.
فقال سعيد:
— ولهذا جئنا.
أما صفية، فكانت ترى من وراء ألم حملها ورجفة الوصول شيئًا آخر:
أن الأرض هنا واسعة بما يكفي للأبناء،
وللمزرعة الكبرى،
وللبيوت التي ستُبنى،
وللمسجد الذي سيصبح قلب هذا الانتقال،
ولمواضع التدريب التي سيقف فيها سعيد وتقي الدين يومًا مع عبدالملك وإخوته.
العلم،
والمال،
والتحالفات،
والدعوة،
والإغاثة،
والفروسية،
والقاعدة الاجتماعية قبل القاعدة العسكرية.
ولم يكن أول ما بحثوا عنه قصرًا ولا موضع حكم، بل موضع استقرار صالح:
أرضٌ تصلح للزرع،
وتتسع للبيوت،
ويُقام فيها مسجد،
ويكون فيها مكانٌ يُدرَّب فيه الأولاد والرجال،
وتستطيع النساء أن يبدأن منها ما يلزم من رتق النفوس والبيوت.
وهكذا عرفت البوسنة أولًا أقدام البنّائين والداعين، لا أقدام المتفاخرين.
الباب العاشر: المزرعة الكبرى في البوسنة… حين اختير الموضع الذي سيصير بيتًا ومركزًا وملاذًا
لم يطل البحث كثيرًا، لأن الرجال كانوا يعرفون ما يريدون:
ليس مزرعةً صغيرة تكفي للأسرة وحدها،
بل أرضًا كبيرة تتسع للبيت الكبير، ولبيوتٍ أخرى، وللمسجد، وللخيل، وللزرع، ولمن قد يأتي بعد ذلك من طلاب علمٍ أو رجالٍ يلتحقون بالمشروع أو أسرٍ تحتاج مأوى.
وحين وقفوا في الموضع الذي استقر عليه الرأي، شعرت صفية من النظرة الأولى أن الأرض تنتظرهم.
كان فيها سهلٌ رحب، وجانبٌ يصلح للغرس، وجانبٌ مرتفع قليلًا صالح للبناء، وماءٌ قريب، ومسافات تسمح بأن يقوم فيها أكثر من بيتٍ لا بيت واحد فقط.
قال سعيد وهو يشير بيده:
— البيت الكبير يكون هنا.
وقال تقي الدين:
— والمسجد هنا، في القلب، لا على الطرف.
وقالت صفية، وقد نظرت إلى اتساع المكان كله:
— وبيوت الإخوة هناك، بحيث يبقى القرب ولا يضيق الناس ببعضهم.
فنظر إليها تقي الدين وقال:
— نعم… هذا هو الرأي.
وهكذا، من اللحظة الأولى، لم يفكروا في بيت سعيد وصفية وحده، بل في مجموعة بيوت؛
بيت لهم،
وبيوت لتقي الدين ومريم وأبنائهما حيث يلزم،
ومواضع للضيافة،
ومكان للزرع،
ومكان للخيل،
ومكان للتعليم والتدريب.
وكان هذا هو الفرق بين من يهاجر ليعيش فقط، ومن يهاجر ليؤسس.
الأول يبحث عن سقف،
والثاني يبحث عن موضع حضارة صغيرة.
وفي ذلك اليوم، مرّ رجلٌ من أهل البوسنة المسلمين، كان يعرف صاحب الأرض أو من يتوسط في أمرها، فلما رأى حركة الرجال والنساء والأطفال، قال لسعيد:
— أأنتم نازلون هنا؟
قال:
— نعم، إن شاء الله.
فقال الرجل وهو يتأمل المكان:
— إذن سيقوم هنا شيء.
فقال سعيد:
— نسأل الله أن يقوم فيه خير.
فقال الرجل:
— الخير يُعرف من أول نظرة إلى الناس الذين يحملونه.
وكانت تلك من البشائر الصغيرة التي لا تُكتب في السجلات، لكنها تُثبِّت القلوب.
الباب الحادي عشر: فاطمة… البنت التي فُتحت بها صفحة البوسنة
ولم يكدوا يطمئنون إلى موضع النزول الأول، ويهيئون ما يلزم من الراحة المؤقتة، حتى جاء وقت فاطمة.
اشتد الألم على صفية على نحوٍ لم يعد يحتمل التأجيل.
وصار واضحًا أن البنت التي حملتها من بخارستان أرادت أن ترى النور هنا، في هذه الأرض الجديدة، لا في الطريق بينها وبين موطنها الأول.
اجتمع حولها البيت كله على طريقته.
مريم عند رأسها،
وفاطمة أم سعيد عند يدها،
وسعيد قريبٌ يثبت العالم من الخارج كي لا يضطرب من الداخل،
وتقي الدين يملأ الليل دعاءً وسكونًا.
أما الأطفال، فقد أُخذوا إلى جهةٍ أخرى من المكان، لكن عبدالملك ظل يسأل بصوتٍ خفيض:
— هل أمي تتألم؟
وكان كل من يجيبه يقول له:
— نعم، لكن الألم يخرج منه الخير.
وكانت هذه من أول الدروس التي دخلت قلبه الصغير عن معنى الولادة والمعنى.
طالت الساعات قليلًا، ثم خرجت البنت.
وجاءت صرختها الأولى في البوسنة كأنها ختمٌ على الفصل كله.
لقد بدأت في بخارستان،
وسارت بين الطريقين،
ثم وُلدت هنا.
وبذلك صارت فاطمة بنت الانتقال، وآخر العقد الأول من الأبناء، وأول من فتح عينيه في هذه الصفحة الجديدة من التاريخ الأسري.
دخل سعيد بعد قليل، ونظر إليها ثم إلى صفية التي بدا على وجهها تعبٌ عظيم وسكينةٌ أعظم.
وقال:
— الحمد لله.
فقالت صفية، وصوتها خافت لكنه ثابت:
— قلت لك… كانت تعرف بابها.
فابتسم، وأخذ البنت، وأذّن في أذنها.
وكان الأذان في تلك اللحظة أشبه بإعلانٍ آخر:
أن البوسنة لم تستقبل اليوم أسرةً فقط، بل استقبلت مولودةً ستنشأ من أول لحظةٍ في أرض المشروع.
وسمَّوها فاطمة.
الباب الثاني عشر: أول تأسيس… البيوت، والمسجد، ومواضع الفروسية
بعد أن هدأت فاطمة، واطمأن قلب الأم عليها، وبدأت الأسرة تلتقط أنفاسها الأولى في البوسنة، دخلت مرحلة التأسيس الفعلي.
وهنا لم يبطئوا.
فقد كانت الرؤية جاهزة قبل الوصول، وما إن وُضع أول وتدٍ في الأرض حتى صار كل شيءٍ يعرف مكانه:
البيت الرئيسي في الموضع الأعلى قليلًا،
بيوت الأقربين حوله بحيث يبقى التلاحم ولا يضيع الخصوص،
المسجد في القلب كما أراد تقي الدين،
مواضع الزرع والرعي حولها،
وجانبٌ واسع يُهيأ للخيل وللتدريب.
وكان سعيد يقول:
— لا أريد لمواضع الفروسية أن تكون بعيدة عن المسجد.
فيقول بعض الرجال:
— ولمَ؟
فيقول:
— حتى لا يظن الأولاد يومًا أن السيف يمكن أن ينفصل عن القبلة.
وكان هذا الجواب وحده منهجًا.
أما صفية، فقد بدأت من جهتها ما كانت تعرف أنه دورها في البوسنة:
تنظيم الداخل،
استقبال النساء اللواتي يأتين بالسؤال أو بالحاجة،
ترتيب الطعام والدواء،
تخفيف وحشة بعض الأسر المسلمة التي بدأت تتعرف إلى هذه العائلة الوافدة،
وصنع صورةٍ للمكان تقول من أول يوم:
إن الرحمة هنا ليست زينةً بعد القوة، بل أصلًا من أصولها.
وكانت مريم إلى جوارها، وفاطمة أم سعيد معها، وبنات البيت من حولها، حتى صار البيت الجديد بسرعةٍ موضعَ دفءٍ لا موضع سكن فقط.
أما الأطفال، فقد بدأوا يكتشفون البوسنة على طريقتهم:
عبدالملك يطيل الوقوف عند الأطراف ويراقب الرجال وهم يحددون مواضع البناء،
أحمد يسأل عن كل شيء،
محمد ومريم يركضان بين الحشائش،
عبدالله يتعلق بصوت أبيه وجده حيث تحركا،
وخديجة وعائشة تنظران بدهشةٍ إلى هذا الاتساع الجديد،
وفاطمة في القماط، تنام على إيقاع تأسيسٍ لم تدركه بعد، لكنه سيدخل في لحم عمرها منذ اللحظة الأولى.
وهكذا انتهى فصل الخروج من بخارستان إلى البوسنة:
لا بانتقال عائلةٍ من بلدٍ إلى بلد،
بل بتحول بيتٍ نجا وبُني في بخارستان إلى نواة مشروعٍ كامل في البوسنة؛
مشروعٍ يبدأ بالمزرعة الكبرى،
والبيوت،
والمسجد،
ومواضع التعليم والفروسية،
والإغاثة،
وبناء الثقة في الناس قبل بناء السلطة عليهم.