باب من الرواية

الباب السادس: وداع بخارستان… حين بكت الأرض ولم تسألهم أن يبقوا

الفصل الثالث والعشرون — الخروج من بخارستان إلى البوسنة

طلع صباح الرحيل أخيرًا.

وكان الصباح من تلك الصباحات التي تبدو فيها الأشياء أكثر وضوحًا من المعتاد، كأن الدنيا نفسها تعرف أن هذه الوجوه لن تمرّ من هذه الزاوية بالطريقة نفسها مرةً أخرى.

خرجت القافلة شيئًا فشيئًا من البيت والمزرعة.

صناديق، ودواب، وعربات، ونساء، وصغار، ورجالٌ يتقدمون ويتأخرون، وكل منهم يحمل على كتفيه ما يرى أنه أثمن من غيره.

لكن أثقل ما كان يخرج لم يكن ما في الصناديق، بل ما في القلوب.

وقفت صفية عند باب البيت طويلًا قبل أن تركب.

نظرت إلى الساحة، إلى الشجرة القريبة، إلى المسجد الصغير، إلى العتبة التي جلست عندها أكثر من مرةٍ ومعها رضيع أو تعب أو دعاء.

ثم اقتربت من الجدار ببطءٍ ومدت يدها إليه، ولم تقل شيئًا طويلًا، بل فقط:

— جزاك الله عنّا خيرًا.

ولم تكن الجملة موجهةً إلى الحجارة حقيقةً، بل إلى الزمن الذي احتواهم هنا.

أما مريم، فقد بكت وهي تنظر إلى الغرف التي شهدت عودة ابنتها بعد أن عرفتها، وشهدت أولادها واحدًا بعد واحد.

وقالت لفاطمة أم سعيد:

— ما كنت أظن أنني سأحب أرضًا غير بخارستان إلى هذا الحد.

فقالت فاطمة:

— لأن الأرض إذا شهدت الجبر، دخلت في الروح.

ثم مسحت دمعتها وأضافت:

— لكن الروح أوسع من أرض واحدة.

وجاء يونس أخيرًا يحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض التراب من طرف البستان، وقال لسعيد:

— خذ هذا.

فقال سعيد متعجبًا:

— وما أصنع بالتراب؟

قال العجوز:

— ليس للزراعة… للذكرى. إن نسيتكم الأيام، تذكركم رائحة الأرض الأولى التي قامت فيها ذريّتكم.

فأخذ سعيد الكيس في صمتٍ تأثر به أكثر مما أظهر، ثم عانق العجوز عناقًا طويلًا.

وهكذا ودّعوا بخارستان.

لا كمن يهرب منها،

ولا كمن يشبع منها فيتركها،

بل كمن يحمل فضلها معه ويمضي.