الفصل الرابع والعشرون

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

حين خرجت البنت الأخيرة من رحم السفر، وصارت البوسنة لأول مرة بيتًا لا وجهةً فقط

0 باب

الباب الأول: الليلة التي نامت فيها القافلة على اسمٍ جديد

لم يكن نزولهم الأول في البوسنة نزولَ قومٍ استراحوا من وعثاء الطريق فحسب، بل نزولَ أرواحٍ كانت تعرف، من غير أن تقول ذلك صراحة، أنها دخلت الآن في امتحانٍ آخر.

فالسفر، على قسوته، يبقى مرحلةً مؤقتة.

أما الوصول، فهو الذي يبدأ فيه ثقل المعنى الحقيقي:

أين سيُبنى البيت؟

كيف سيُجمع الناس؟

من أين يبدأ الخبز؟

كيف يُرفع الأذان؟

كيف تُهدّأ قلوب الأطفال الذين اقتُلِعوا من ساحةٍ ألفوها إلى فضاءٍ جديد؟

وكيف تحمل المرأة الحامل كل هذا، وفي جسدها بابٌ على وشك أن يفتح؟

في تلك الليلة، بعد أن اطمأن الرجال إلى موضع النزول، وأقيمت أغطيةُ الراحة، ورتبت النساء مواضع الصغار، خفتت الأصوات شيئًا فشيئًا.

لكن بيت صفية الداخلي لم يخفُ.

كان في جسدها حركةٌ أخرى، حركةٌ دقيقة لا تخطئها النساء اللواتي عرفن الحمل والولادة مرةً بعد مرة.

لم يكن ألمًا صريحًا بعد، لكنه كان بشيرًا يعرفه البدن قبل أن يسميه اللسان.

جلست صفية على فراشها المؤقت، ويدها على بطنها، والليل من حولها ساكن على اتساعٍ لا يشبه ليالي بخارستان.

كان في البوسنة شيءٌ من السعة الحزينة، كأن الأرض نفسها واسعةٌ بما يكفي للأمل، ومجروحةٌ بما يكفي لأن تحتاج إليه.

دخلت عليها مريم، فرأتها على تلك الحال، وقالت بهدوء الأمهات اللواتي يقرأن الأجساد من العيون لا من الشكوى:

— بدأ؟

رفعت صفية عينيها وقالت:

— ليس تمامًا… لكنه قريب.

فجلست مريم عندها، ومسحت على كتفها، وقالت:

— كنتُ أعلم أنها لن تنتظر طويلًا بعد الوصول.

ثم دخلت فاطمة أم سعيد، وفي يدها ماءٌ وبعض ما يلزم، وقالت وهي تنظر إلى وجه صفية:

— وجهك يقول إن الليل لن يمرّ عاديًا.

ابتسمت صفية ابتسامةً متعبة، وقالت:

— كأنها كانت مستعجلة على البوسنة.

فقالت مريم:

— أو كأن الله أراد أن يربطها بها من أول النفس.

وسكتت النسوة جميعًا لحظة.

وكان الصمت في تلك اللحظة ممتلئًا أكثر من الكلام.

لأنهن جميعًا فهمن أن البنت التي ستخرج بعد ساعات ليست مجرد مولودةٍ أخرى في السلسلة، بل علامة.

علامة على أن الرحلة انتهت حقًا، وأن الأرض الجديدة لن تبقى موضع إقامة مؤقتة، بل موضع ميلاد.

الباب الثاني: صفية بين بخارستان والبوسنة… كيف تجتمع امرأتان في قلبٍ واحد

والمرأة حين تقترب من الولادة، لا تقف فقط على باب الألم، بل تقف على باب الذاكرة كلها.

تجتمع في قلبها النساء اللواتي كانتْهُنّ في عمرها السابق كله:

الفتاة المكسورة،

والزوجة المتعبة،

والأمّ الأولى،

والأم التي تعلّمت توزيع القلب على طفلين وثلاثة وأربعة،

والمرأة التي سافرت بالأرحام كما يسافر الناس بالزاد.

وكانت صفية، في تلك الساعات، تشعر أن في داخلها امرأتين:

امرأة بخارستان، التي أنجبت هناك أكثر أولادها، وملأت البيت بالخطوات الصغيرة، وربطت اللبن بالقرآن، والساحة بالجبال، والمزرعة بالقبلة.

وامرأة البوسنة، التي لم تتشكل بعد بكاملها، لكنها تقف الآن على حافة الظهور، تنتظر هذه الولادة كما تنتظر الأرض المطر الأول بعد غبارٍ طويل.

قالت لها مريم وهي تلاحظ شرودها:

— أين أنتِ؟

فقالت صفية بصوتٍ خافت:

— في مكانين.

— كيف؟

— كأن بخارستان تقف خلفي الآن، وكأن البوسنة تفتح لي بابها من الأمام.

فقالت مريم:

— هذه نعمة، لا حيرة.

فابتسمت صفية ابتسامةً باهتة وقالت:

— نعم… لكن النعمة أحيانًا ثقيلة.

وكان هذا من أصدق ما تقوله النساء في مثل هذه المواضع.

فالنعمة إذا عظمت، صارت نفسها نوعًا من الثقل المهيب.

لا لأنها تزعج، بل لأنها تجعل القلب أصغر من أن يحملها بلا ارتجاف.

ثم وضعت يدها على بطنها وقالت:

— يا صغيرة… أكنتِ تنتظرين هذه الأرض؟

فقالت فاطمة أم سعيد من عند الباب:

— لا تسأليها. هي أجابت بالفعل.

وكانت تقصد ما تعرفه النساء من إيقاع الأرحام.

فالجسد أحيانًا يحسم ما يعجز العقل عن تفسيره.

الباب الثالث: سعيد… الرجل الذي فهم أن البلاد تبدأ من غرفة ولادة

أما سعيد، فلم يكن في الخارج كغيره من الرجال الذين ينتظرون خبر الولادة على هيئة خبرٍ عائليٍّ فقط، بل كان يشعر أن الليلة تمسّ مشروعه كله.

ليس لأن الدولة تبدأ من طفلٍ بالمعنى السياسي المباشر، بل لأن الرجل الذي يريد أن يبني بلدًا على المعنى لا يستطيع أن يفصل بين البيت والمشروع، بين الرحم والأرض، بين الولادة والقيام.

كان يمشي خارج موضع النساء في دائرةٍ صغيرة، ثم يقف، ثم يعود، ثم يرفع رأسه إلى السماء قليلًا، ثم يخفضه.

لم يكن مذعورًا، لكنه كان متيقظًا بكليته.

فكل ما في الليلة كان يذكّره أن البوسنة لم تعد فكرةً في المجالس، ولا طريقًا على الخرائط، بل صارت الآن تختلط بدم العائلة وولادة البنات وصوت الصغار النائمين وخوف الأمهات.

جاءه تقي الدين، ووقف إلى جواره صامتًا أول الأمر.

ثم قال:

— الليلة تتعلم شيئًا جديدًا.

فقال سعيد:

— ما هو؟

قال:

— أن البلاد تبدأ أحيانًا من غرفة ولادة لا من قاعة حكم.

فنظر إليه سعيد نظرةً طويلة ثم قال:

— وهذا ما كنتُ أشعر به ولا أجد له عبارة.

فقال تقي الدين:

— خذها مني إذن.

ثم سكتا.

وكانا من الرجال الذين لا يكثرون الحديث إذا عظمت اللحظات.

لكنّ قلة كلامهما لم تكن فراغًا، بل امتلاءً.

وفي لحظةٍ بعد قليل، سمعا من الداخل حركةً، فاقترب سعيد خطوةً ثم وقف.

لا يريد أن يخرق للنساء سترهن، ولا يريد في الوقت نفسه أن يكون بعيدًا إذا احتاجت صفية شيئًا.

فخرجت فاطمة أم سعيد قليلًا، وقالت له بهدوء:

— الألم اشتد.

فقال:

— هل تحتاج شيئًا؟

قالت:

— الدعاء فقط.

فعاد إلى مكانه، ورفع يديه.

وكان دعاؤه تلك الليلة مختلفًا عن دعائه في ولادات بخارستان.

في تلك الولادات كان يدعو لامرأته وطفله وبيته.

أما هنا، فكان يدعو لذلك كله ومعه شيءٌ آخر:

أن يجعل الله هذه البنت فاتحة خيرٍ على الأرض الجديدة، وأن لا يجعل أول ليل البوسنة على بيته ليل انكسار.

الباب الرابع: الأطفال خارج الستار… كيف تعلّمت السلالة الأولى معنى الانتظار

في الطرف الآخر، كان الأطفال يعيشون ليلتهم على نحوٍ مختلف بحسب أعمارهم.

ولم يكن الأطفال في هذا البيت أطفالًا منعزلين عن المعنى، حتى لو لم يفهموا كل تفصيله.

لقد تربوا منذ بخارستان على أن الحياة ليست لعبًا فقط، بل فيها انتظارٌ وصبرٌ وصلاةٌ ووجوهٌ يتغير لونها لأن شيئًا كبيرًا يقع في الداخل.

عبدالملك كان أكبرهم وعيًا.

لم يكن رجلًا صغيرًا بعد، لكنه لم يعد ذلك الطفل الذي يُلهى بلقمة أو لعبة إذا اضطرب البيت.

كان يعرف أن أمه تتألم، ويعرف أن هذا الألم يأتي بعده خير، وإن لم يفهم تفاصيل الخير.

جلس إلى جوار جده تقي الدين، وكان يكثر النظر إلى جهة النساء، ثم يسأل قليلًا ويسكت أكثر.

أما أحمد، فكان كعادته أكثر حركةً في السؤال:

— هل ستولد الآن؟

— هل ستكون بنتًا حقًا؟

— لماذا يتعب الناس إذا أرادوا أولادًا؟

وكانت أسئلته تجعل بعض النساء يبتسمن على رغم التوتر، لأن الأطفال يفتحون بنصف الجهل ما لا يفتحه الكبار بكامل المعرفة.

ومحمد ومريم كانا على تخوم الفهم واللعب، يقتربان من بعض الوجوه ثم يتراجعان، ويشعران أن في الجو توترًا فينخفض ضحكهما من غير أن يعرفا السبب.

أما عبدالله، فكان أكثرهم ميلًا إلى الصمت في تلك الليلة، يجلس قريبًا من أبيه أو جده، وينظر بعينين مفتوحتين لا تسألان كثيرًا، لكنها تخزنان كل شيء.

وخديجة وعائشة التصقتا بثوب مريم قليلًا، ثم نامتا من التعب.

وكان مشهدهما وهما نائمتان في موضعٍ جديد تحت سماء جديدة، بينما أمهما تلد في الجهة الأخرى، من أكثر المشاهد رقةً في تلك الليلة.

كأن الله أراد أن يجمع في موضعٍ واحد بين براءة النوم، وهيبة الولادة، وتاريخ الانتقال.

قال أحمد لعبدالملك وهو يقترب منه همسًا:

— إذا كانت بنتًا، فهل سنعطيها قوسًا مثل قوسك الخشبي؟

فنظر إليه عبدالملك في شيءٍ من الجدية التي بدأت تظهر فيه باكرًا، وقال:

— أولًا ننتظرها.

فسمع تقي الدين الجملة، والتفت إليه في دهشةٍ محببة، ثم قال:

— أحسنت.

فلم يزد عبدالملك شيئًا، لكنه شعر بشيءٍ من الرضا في داخله.

وكانت هذه من البدايات الصغيرة التي سيكبر منها طبعه لاحقًا.

الباب الخامس: المخاض… حين يصير الجسد ساحةً بين العالمين

اشتد المخاض.

ولم تكن صفية من النساء اللواتي يصرخن في كل ألمٍ صراخًا يملأ البيت، لكنها أيضًا لم تكن تتصنع بطولةً باردة.

كانت تؤدي ما على الجسد والروح معًا:

تتوجع إذا جاء الوجع،

وتصمت إذا وجب الصمت،

وتستعين بالله إذا ضاقت المسافة بين النفس والدمعة.

جلست مريم عند رأسها، وفاطمة أم سعيد عند يدها، وكلتاهما تعرف ماذا تفعل في أي لحظة.

تلك خبرة النساء التي لا تُكتب كلها في الكتب، بل تنتقل من يدٍ إلى يد، ومن عينٍ إلى عين، ومن ليالٍ طويلة إلى ليالٍ أخرى تشبهها وتختلف عنها.

قالت مريم وهي تمسح عرق ابنتها:

— خذي نفسًا أعمق.

وقالت فاطمة أم سعيد:

— لا تقاومي الألم كله… امشي معه حتى يمر.

وكانت صفية تفعل، ثم تعود فتتمسك بطرف الفراش حين يشتد، وتغيب لحظةً في أعماقها ثم تعود.

وفي أثناء موجةٍ قوية من الألم، قالت مريم:

— أتذكرين ولادة عبدالملك؟

فتحت صفية عينيها وقالت:

— نعم…

— وهذه؟

— هذه… كأنها ليست ولادة طفل فقط.

فقالت فاطمة أم سعيد:

— لأنها ولادة زمن.

وكانت الجملة صادقة.

ثم جاءت موجةٌ أشد، فأغمضت صفية عينيها وقالت بصوتٍ متقطع:

— يا رب… يا رب…

وكانت هذه الكلمة إذا خرجت من فم امرأةٍ في مثل هذا الموضع، خرجت خالصةً لا يشوبها شيء.

لا بلاغة فيها، ولا ترتيب، بل حقيقة مجردة بين مخلوقةٍ ضعيفة وربٍّ يعلم موضعها كله.

وفي لحظةٍ بين ألمٍ وألم، تذكرت صفية فجأةً بخارستان.

تذكرت الساحة الأولى، والمسجد الصغير، والشجرة التي كانت تقف عندها، وأول ليلةٍ حملت فيها عبدالملك بعد عودتها من المدينة، وتذكرت عناق أمها، وصوت أبيها، وصغارها وهم يكبرون واحدًا بعد آخر.

ثم فتحت عينيها على البوسنة، على سقفٍ مؤقت، وعلى أرضٍ جديدة، وعلى ليلٍ يعرفها لأول مرة.

وفهمت أن الرحلة كلها قد تجمعت الآن في جسدها.

الباب السادس: الرؤيا الصغيرة في قلب الألم

وفي منتصف ذلك المخاض، أو لعلها بين موجتين من الوجع، مرّ في قلب صفية خاطرٌ على هيئة رؤيا صغيرة أو لمعةٍ لا تدري أهي من عالم النوم أم اليقظة.

رأت بابًا خشبيًا كبيرًا يُفتح على سهلٍ أخضر، وكانت طفلةٌ صغيرة بثوبٍ أبيض تمشي من الباب إلى الأرض، ثم تلتفت قبل أن تمضي، كأنها تريد أن تقول:

أنا من هنا.

لم ترَ وجه الطفلة واضحًا، لكنّ في جسدها الصغير سكينةً أثبتت المعنى.

وكان الباب في الرؤيا يشبه بابَ بيتٍ لم يُبنَ كاملًا بعد، والمساحة وراءه تشبه البوسنة وهي ما تزال وعدًا مفتوحًا.

انتبهت صفية من هذا الخاطر، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت لمريم:

— رأيتها.

فقالت مريم وهي لا تشغلها الأسئلة عن مهمتها:

— من؟

قالت:

— الصغيرة…

فقالت فاطمة أم سعيد:

— إذن هي قريبة.

وكان في هذه الكلمات البسيطة من التثبيت ما يكفي.

فالنساء الصادقات يعرفن أن بعض الرؤى لا تُناقش طويلًا عند المخاض، بل تُحفظ في القلب وتُجعل علامة.

ثم اشتد الألم من جديد، وعادت صفية إلى معركتها.

لكنّ الفرق أن القلب بعدما يرى علامةً، يصير أكثر استعدادًا لأن يصبر.

الباب السابع: الصرخة الأولى… كيف دخلت فاطمة التاريخ العائلي لا البيت فقط

ثم جاءت اللحظة.

تلك اللحظة التي ينفلق فيها التعب عن صوت، ويتحول فيها الألم دفعةً واحدة إلى حياةٍ مرئية.

خرجت البنت، وملأت صرختها المكان.

ولم تكن صرختها يومئذٍ مجرد خبر ولادةٍ في مخيم انتقال، بل كانت كأنها إعلانٌ خفيٌّ تقول به البوسنة نفسها:

لقد دخلتم حقًا.

وضعتها النساء بين يدي صفية لحظةً، فنظرت إليها كما تنظر الأمهات إلى الوجوه الأولى الخارجة من الظلمة، لكن في نظرها هذه المرة معنى زائد:

هذه البنت لم تُولد في الطريق،

ولم تلحق بها البلاد على سبيل المصادفة،

بل اختارت —أو اختير لها— أن تكون أول بنتٍ للبيت ترى النور في البوسنة.

دخل سعيد بعد أن اطمأنّت النساء إلى موضعهن، ونظر إلى الصغيرة، ثم إلى صفية.

ولم يقل أول الأمر سوى:

— الحمد لله.

وكان الحمد هنا أكبر من كلمة.

كان شكرًا على سلامة الزوجة، وعلى تمام الرحلة، وعلى أن الله لم يجعل أول ليلة حقيقية في البوسنة ليل خوفٍ أو فقد.

ثم حمل الصغيرة، وأذّن في أذنها كما فعل مع إخوتها.

وكان صوته أهدأ من المرات السابقة، لكن فيه عمقًا أشد، كأن ما حمله من الطريق والمعنى أضاف إلى الأذان نفسه وزنًا جديدًا.

قالت صفية وهي تنظر إليها:

— فاطمة.

فالتفت إليها سعيد وقال:

— نعم… فاطمة.

وهكذا استقر الاسم.

وكان له رنينٌ خاص في البيت؛

اسمُ رحمة،

واسمُ بنوّةٍ جديدة للأرض الجديدة،

واسمُ بنتٍ جاءت بعد طول الأسفار لتقول للأسرة:

الرحلة صارت نسبًا.

الباب الثامن: الفجر الأول بعد الولادة… حين بدا الموضع المؤقت وطنًا

مضت ساعات الليل المتبقية بين تعبٍ وهدوء وتثبيتٍ وترتيب ما يلزم.

وحين بدأ الفجر يظهر على أطراف السماء، كان شيءٌ في المكان قد تغيّر.

ليس لأن الخيام أو المواضع المؤقتة تحولت فجأةً إلى بيوتٍ من حجر،

ولا لأن المزرعة الكبرى قد رُسمت فعليًا على الأرض كلها،

بل لأن الولادة نفسها منحت المكان معنى الوطن.

فالأمكنة التي يولد فيها الأولاد لا تبقى مواضع عابرة في القلب.

خرج سعيد إلى الخارج مع الفجر، وصلى قريبًا من الموضع الذي اتفقوا أن يكون أول نواة المسجد فيه، ثم وقف ينظر إلى الأفق الطويل.

وجاءه تقي الدين بعد الصلاة، فقال له:

— كيف هي؟

قال:

— بخير.

— والبنت؟

— بخير.

فسكت تقي الدين لحظة، ثم قال:

— إذن فقد ثبتت أقدامنا هنا أكثر مما كنا نظن.

وكان محقًا.

فما قبل ولادة فاطمة كان يمكن لعقل الإنسان أن يسميه نزولًا أو انتقالًا.

أما بعدها، فقد صار البيت نفسه قد وضع بعض دمه في الأرض.

وفي الداخل، كانت مريم تنظر إلى حفيدتها الصغيرة، ثم إلى صفية، وتشعر أن التاريخ يعيد عليها درسًا آخر من دروس الله:

من المدينة خرجت صفية رضيعةً مسروقة،

وفي بخارستان خرج أول نسلها،

وفي البوسنة خرجت فاطمة لتختم مرحلة وتفتح أخرى.

قالت مريم لابنتها بصوتٍ خفيض:

— الآن صارت لكِ جذورٌ في الأرضين.

فقالت صفية وهي تمسح على وجه ابنتها:

— بل في القلوب أيضًا.

الباب التاسع: البيت المؤقت يتحول إلى مركز رحمة

وما إن استقر الخبر، وأفاق الأطفال واحدًا بعد آخر على أن أختًا جديدة قد جاءت، حتى بدأ البيت المؤقت يؤدي وظيفةً أكبر من السكن.

فالناس في البلاد الجديدة كانوا يرقبون هذه الأسرة القادمة، ويرون في حركتها وأدبها ونظامها شيئًا مختلفًا.

ولم تمضِ أيامٌ كثيرة حتى بدأت النساء المسلمات من القرى المجاورة يأتين، مرةً للسؤال، ومرةً للتهنئة، ومرةً لحاجةٍ خفية:

امرأةٌ تريد دواءً،

وأخرى تسأل عن تعليم بنتها،

وثالثة تحمل في وجهها تعب الأرامل،

ورابعة تأتي لتتعرف فقط على المرأة التي جاءت من بعيدٍ وهي تحمل هذا العدد من الأطفال ولم تفقد على وجهها نور السكينة.

وكانت صفية، على رغم تعب النفاس، تفهم أن هذا الباب لا ينبغي أن يُغلق.

ليس لأنها تريد أن تُتعب نفسها، بل لأنها تدرك أن المشروع الذي جاءوا لأجله لا يبدأ من الخطب، بل من هذه اللقاءات الصغيرة.

فصارت النساء يدخلن عليها، فيجدن بيتًا مرتبًا على قلة الإمكان، وأطفالًا فيهم أدبٌ لا وحشية، وأمًّا متعبة لكنها حاضرة، وجدتين تملآن الجو وقارًا ورحمة، فيخرجن بشعورٍ أن في هذا الموضع شيئًا من الأمان.

وفي إحدى الزيارات، جاءت امرأة بوسنية مسنة تحمل معها خبزًا وقليلًا من الجبن هديةً للمولودة.

جلست قليلًا، ثم قالت لصفية بلغةٍ كسرتها العربية وكسرها الحياء:

— نحن رأينا كثيرين يمرّون على البلاد… تجارًا، ومحاربين، وطلاب دنيا… لكنكم جئتم ومعكم أطفال وقرآن ونساءٌ لا تبدو على وجوههن نيةُ الاستعلاء. هذا يطمئن.

فابتسمت صفية، وقالت:

— جئنا لنعيش معكم لا فوقكم.

فاغرورقت عين العجوز قليلًا، وقالت:

— إذن فهذه الأرض ستفتح قلبها لكم.

وكانت هذه من البشائر التي لا تُكتب في وثائق الحكم، لكنها تسبق الحكم الصحيح دائمًا.

الباب العاشر: الأطفال وفاطمة… كيف استقبلت السلالة أصغر خيط فيها

ولأن البيوت الحية لا تعيش الولادات على مستوى الكبار فقط، فقد كان لكل طفلٍ من أولاد صفية طريقته في استقبال فاطمة.

عبدالملك اقترب منها أولًا في وقارٍ عجيب، ونظر إليها طويلًا ثم سأل:

— هل ستبقى معنا دائمًا؟

فضحكت صفية من السؤال، وقالت:

— نعم.

فقال:

— إذن لا بد أن تعرف المسجد حين تكبر.

فسمعه تقي الدين من بعيد، فابتسم وقال:

— سيعرفها المسجد أيضًا.

وأحمد، كعادته، كان أسرع إلى الكلام من الفهم المكتمل، فقال:

— هل هي تبكي كثيرًا؟

فقالت مريم أمها:

— كل الأطفال يبكون.

فقال:

— إذن فهي مثلنا.

فضحك المجلس.

أما محمد ومريم فكانا يقتربان منها ثم ينظران إلى وجهها الصغير بإعجابٍ صامت، كأنهما يكتشفان أن الطفولة نفسها يمكن أن تكون أصغر منهما.

وعبدالله وقف عند أمّه طويلًا، ولم يمدّ يده، لكنه ظل يحدق في أخته بعينين ثابتتين، كأنه يحاول أن يحفظها في قلبه قبل أن يحملها أحد.

وخديجة وعائشة كانتا أقرب إلى الغيرة الجميلة الممتزجة بالفضول.

إحداهما تريد أن تلمس قماطها، والأخرى تريد أن تُقبّل وجهها، ثم تنسحبان وتعودان.

وكانت صفية تنظر إلى هذا كله وتشعر أن الله يعلّمها مع كل ولادة معنىً جديدًا في هندسة البيت:

كيف يصبح الكبير أخًا،

وكيف يتسع البيت لمن هو أصغر،

وكيف لا يتحول مجيء مولودٍ جديد إلى خصومةٍ خفية، بل إلى توسعة.

قالت لابنتها مريم الصغيرة وهي تراها تقترب من أختها:

— هذه أختك يا مريم.

فقالت الطفلة، وقد تعلقت الكلمة في لسانها نصف تعلق:

— أختي؟

— نعم.

فابتسمت الطفلة ابتسامةً واسعة، وقالت:

— إذن نعطيها دميتي.

وكان هذا العرض الطفولي البسيط من أجمل ما قيل في البيت يومئذٍ.

الباب الحادي عشر: الموضع الذي اختير للمسجد… أول حجرٍ بعد الولادة

بعد أيامٍ من استقرار صفية نسبيًا، واطمئنانهم إلى فاطمة، عاد الرجال إلى ترتيب أولويات البناء على الأرض الجديدة، لكن هذه المرة كان القرار أسرع وأوضح.

فولادة البنت في البوسنة جعلت التردد —إن بقي منه شيء— يسقط.

وقف سعيد وتقي الدين مع بعض الرجال في القلب من الأرض، وأعادوا تحديد الموضع الذي يكون فيه المسجد.

وكان الموضع في منتصف البناء المقترح تقريبًا، بحيث لا يكون تابعًا للبيت، ولا منفصلًا عنه، بل قلبًا يوزع على ما حوله المعنى.

قال أحد الرجال:

— لو جعلناه أبعد قليلًا، لوسعنا موضع البيوت.

فقال سعيد:

— البيوت تُوسَّع من حول المسجد، لا المسجد يُزاح من أجل البيوت.

وقال تقي الدين:

— إذا أخطأنا ترتيب القلب، اختل الجسد كله.

ثم جاء عبدالملك، وكان قد سمع الكلام، فسأل:

— هنا سيكون المسجد؟

فقال سعيد:

— نعم.

فنظر الطفل إلى الأرض ثم قال:

— إذن أختي سمعت الأذان قبل أن يُرفع.

فساد صمتٌ قصير من جمال العبارة.

ثم قال تقي الدين:

— نعم… وربما كانت هذه بشرى لنا.

وما هي إلا أيام حتى وضعوا أول علامةٍ ثابتة للموضع، وصارت الأرض تعرف أين ستسجد الجباه.

الباب الثاني عشر: مواضع الخيل والتدريب… لأن البيت لا يُبنى رخاوةً

ولم يكونوا في تأسيسهم من أولئك الذين يرون الرحمة نقيضًا للإعداد، أو المسجد خصمًا لميدان الفروسية.

بل كانت رؤيتهم، كما ثبت في الأصل، أن القرآن والأفق والسيف والعدل ينبغي أن يخرجوا من نبعٍ واحد.

ولهذا، بعد أن استقر موضع المسجد والبيوت، نظر سعيد إلى الطرف الواسع من الأرض وقال:

— وهنا يكون موضع الخيل والتدريب.

فقال رجلٌ من أهل البلاد:

— أتبدؤون بهذا سريعًا؟

فقال سعيد:

— لا نبدأ بالحرب، لكننا لا نربي أبناءنا على الغفلة.

وقال تقي الدين:

— الأرض التي عانت طويلًا تحتاج رجالًا يعرفون متى يزرعون ومتى يحمون الزرع.

وكان هذا من أجمل التوازنات في مشروعهم:

لا إفراط في السلم حتى يصير الناس لقمة،

ولا افتتان بالقوة حتى تصير البلاد ثكنةً بلا روح.

وفي المساء، حمل سعيد عبدالملك وأحمد إلى طرفٍ من الأرض، وأراهما من بعيد الموضع الذي سيصير يومًا ساحة تدريب.

قال أحمد:

— هل سنركب الخيل هنا؟

فقال سعيد:

— إذا أحسنتم القرآن أولًا.

فقال أحمد في دهشة:

— ما علاقة هذا بذاك؟

فتدخل تقي الدين وقال:

— لأن اليد التي لا يضبطها كتاب الله تفسدها القوة.

وسكت عبدالملك، لكنه حفظ الجملة.

وكان من طبعه منذ صغره أن بعض الكلمات لا تمرّ عليه كمرور الأصوات، بل تستقر في داخله.

الباب الثالث عشر: صفية والنساء… النواة الأولى للرتق الكبير

أما صفية، فعلى رغم تعبها ووليدتها الصغيرة، فقد بدأت من الأيام الأولى في البوسنة تؤسس —من غير أن تعلن ذلك بهذا اللفظ— لشيءٍ سيكبر لاحقًا حتى يصير من أكبر وجوه عهدها وعهد بيتها:

تحويل الرحمة إلى نظام.

لم تكن تحب أن تبقى أعمال الخير رهينةَ المزاج أو المصادفات.

فإذا جاءت امرأة محتاجة، لم ترد أن تعطيها شيئًا اليوم ثم تُنسى غدًا.

وإذا حضرت أرملة، لم تُرِد أن تُعالجها بكلمات العطف وحدها.

وإذا رأت فتاةً خائفة أو أسرةً مضطربة، لم تكن ترى في ذلك حادثةً فردية، بل خيطًا من نسيج مجتمعٍ مكسور يحتاج من يرقعه بوعي.

لذلك بدأت تسأل النساء عن أحوال القرى:

من أين يأتيهن الألم؟

من هن الأشد ضعفًا؟

أين تكثر الأرامل؟

أين الأيتام؟

أين تنقطع البنات عن التعلم؟

وأين يكثر الخوف الذي لا اسم له؟

وكانت تفعل هذا برقةٍ لا تُشعر السائل بأنه يُستجوب، بل بأنه يُفهم.

وهنا بالذات دخل قلب صفية في المشروع دخولًا لا يمكن لأي رجل —مهما كان صالحًا— أن يقوم مقامها فيه.

وفي إحدى الزيارات، جلست إليها امرأة شابة فقدت زوجها في نزاعٍ قديم، وكانت تحمل في عينيها قسوة الحياة أكثر مما تحمل في يديها شيئًا من الدنيا.

قالت لها صفية بعد حديث طويل:

— لا أريد لكِ صدقة يومٍ واحد. أريد أن يبقى لكِ ظهر.

فلم تفهم المرأة أولًا.

فقالت صفية:

— سنفكر لكِ في عمل، وفي موضعٍ لتعلم أولادك، وفي جيرانٍ لا يتركونكِ وحدك.

فبكت المرأة، لأن بعض الناس يبكون إذا أُعطوا المال، وبعضهم يبكون إذا أُعطوا أخيرًا إحساسًا أن أحدًا رآهم بصدق.

وكانت هذه هي بداية المدرسة الخفية لصفية في البوسنة:

أن تجعل من البيت رحمًا للبلاد، لا ملجأً للعائلة فقط.

الباب الرابع عشر: الليلة التي فهمت فيها صفية أن البوسنة دخلت دمها

بعد أيامٍ من الولادة، هدأ البيت قليلًا.

نام الصغار في مواضعهم، وخفتت الحركة، وسكنت فاطمة بعد رضعتها.

خرجت صفية، على ضعفها، خطواتٍ قليلة إلى خارج الموضع الذي تقيم فيه، وجلس معها سعيد تحت سماء البوسنة.

كان الليل هناك مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل.

أوسع، وأبرد، وأشد سكونًا.

والنجوم فيه كأنها أقرب إلى الأرض قليلًا.

نظرت صفية إلى الأفق، ثم إلى ابنتها النائمة داخل الموضع، ثم قالت:

— الآن فقط صدقت أننا وصلنا.

فقال سعيد:

— لأن فاطمة وُلدت هنا؟

قالت:

— نعم… لأن الدم لا يكذب.

ثم سكتت لحظة وأضافت:

— بخارستان ستبقى في قلبي بيت الجبر الأول، لكن البوسنة دخلت دمي الليلة.

نظر إليها سعيد طويلًا، ثم قال:

— وهذا ما كنا نحتاجه.

— ماذا؟

— أن لا تكون الأرض الجديدة منزلاً فقط… بل جزءًا منّا.

ثم أخذا يتكلمان في البيوت التي ستُبنى، وفي المسجد، وفي النساء اللواتي بدأن يأتين، وفي الأولاد وكيف سيكبرون هنا بين الجبال الجديدة، وفي السنوات المقبلة التي لا يعرفان تفاصيلها لكنهما يعرفان أن أثقالها قادمة لا محالة.

قالت له:

— أخاف من كِبَر المعنى أحيانًا.

قال:

— وأنا أيضًا.

فالتفتت إليه في دهشةٍ صغيرة، فقال:

— لكن الفرق أنني لا أهرب إذا خفت.

فابتسمت، وقالت:

— وأنا لا أهرب أيضًا… لكنني أبكي أكثر.

فضحك ضحكةً هادئة وقال:

— ولهذا جعلنا الله معًا.

وكان هذا من الصدق الذي لا تحتاجه الروايات فحسب، بل تحتاجه البيوت الكبيرة حقًا.

الباب الخامس عشر: خاتمة الفصل… البنت التي ختمت الرحلة وفتحت الدولة

وهكذا لا تنتهي ولادة فاطمة في هذا البناء على أنها حادثةُ أسرةٍ كبرت فقط، بل على أنها الخاتمة التي أغلقت طور بخارستان، والعتبة التي فُتحت عليها البوسنة من الداخل.

فالبنت التي حُمِل بها في أرضٍ، وولدت في أخرى، صارت في رمز الرواية بنتَ العبور الكامل.

وبعدها لم يعد يمكن أن يُحكى عن البوسنة عند سعيد وصفية وتقي الدين ومريم على أنها مشروعٌ معلق فوق الأرض؛

بل صارت بيتًا، ومسجدًا في الطريق، وساحةَ خيلٍ قادمة، ونساءً يبدأن الالتفاف، وأطفالًا يربطون الطفولة بالأفق الجديد.