لم يكن أحدٌ في البيت يتصور حقًا أن تبقى مريم أو تقي الدين في بخارستان بينما يخرج سعيد وصفية والأبناء وحدهم.
ليس لأن البقاء هناك مستحيلٌ من حيث الصورة، بل لأن الروابط التي صارت بين الجميع في تلك السنوات لم تعد تسمح بأن ينقسم البيت إلى نصفين من غير جرح.
ثم إن تقي الدين ومريم لم يكونا من أولئك الآباء الذين يردّ الله إليهم ابنتهم بعد طول فقد، ثم يرضيان أن يراقباها من بعيد وهي تخرج إلى طورٍ أعظم من أطوار حياتها وحدها.
في صباحٍ صافٍ، اجتمعوا في المجلس الكبير.
وكانت صفية تحمل في رحمها فاطمة، الحمل الأخير الذي بدأ في بخارستان وسيكتمل في البوسنة، بينما كان الصغار يتوزعون بين الساحة والغرف، وكل واحدٍ منهم يلتقط من وجوه الكبار أن شيئًا ما يتشكل.
قال تقي الدين بوضوحٍ لا يحتمل التردد:
— لا تتوهموا أنكم ستخرجون ونبقى.
فقال سعيد، وقد عرف الجواب من قبل لكنه أراد أن يسمعه صريحًا:
— وأنا ما كنتُ لأطلب منكم غير هذا.
فقالت مريم وهي تنظر إلى صفية:
— أنا لم أسترد ابنتي بعد هذا العمر لأودعها عند أول منعطفٍ عظيم.
ثم وضعت يدها على كتفها وأضافت:
— حيث تذهبين ويذهب أولادك، نكون.
وكان لأبناء تقي الدين ومريم أيضًا موقفٌ واضح.
فمنهم من قالها صراحةً:
— إذا كان البيت ينتقل، فنحن من البيت.
ومنهم من لم يحتج إلى قولها، بل بدأ من ساعته يعدّ ما يلزمه، ويهيئ نفسه.
وهكذا خرجت الهجرة من كونها رحلة زوجين وأبناء، إلى كونها انتقال عائلةٍ بكامل جذرها المؤسس.
الجد، والجدة، والإخوة، والنساء، والصغار، وكل من ارتبط بالمشروع من داخله لا من طرفه.
وفي تلك الليلة، قالت صفية لأمها وهما ترتبان بعض الثياب:
— أحيانًا أخاف أن أكون أنا التي تسحبكم من استقراركم.
فقالت مريم من غير أن ترفع رأسها:
— يا ابنتي، الاستقرار ليس دائمًا في الجدار نفسه. أحيانًا يكون الاستقرار في الناس الذين نمضي معهم.
ثم رفعت عينيها وأضافت:
— ثم إننا لا نخرج إلى مجهولٍ عبثًا. نخرج إلى معنى.
وكان هذا الجواب من تلك الأجوبة التي لا تنهي الخوف، لكنها تجعله أخف على القلب.