الباب الأول: الرجوع بعبدالملك، حين دخل البيت أولُ البرهان الحي
حين عادت صفية إلى بخارستان بعد ولادة عبدالملك، لم تكن عودتها كخروجها منها إلى المدينة.
لقد خرجت وهي امرأةٌ تحمل في رحمها وعدًا، وعادت وهي أمٌّ تحمل بين ذراعيها تصديق ذلك الوعد.
وكان الفرق بين الحالتين عظيمًا؛ لأن المرأة الحامل تمشي ومعها رجاء، أما المرأة التي وضعت ولدها فتمشي ومعها حقيقةٌ لها وزنٌ وصوتٌ ورائحةُ حليب ودفءُ جسد.
كان الطريق إلى المزرعة في تلك العودة ألين على القلب مما كان في المرة الأولى.
فكل معلمٍ مرّوا به قبل أشهر صار الآن أشد ألفة، وكل شجرةٍ كانت تستقبلهم هذه المرة كأنها تعرف من في القماط الأبيض الصغير.
وكان سعيد يقود الرحلة بعينين مختلفتين.
لم يعد زوجًا يحيط بزوجته فقط، بل صار أبًا يراقب الطريق بعينٍ ثالثة، عينٍ تحسب الاهتزازات، وتنتبه للهواء، وتستمع إلى تنفس الرضيع بين حينٍ وآخر وكأن العالم كله بات متعلقًا بذلك النفس الصغير.
أما صفية، فكانت طوال الطريق تضم عبدالملك إلى صدرها كلما خفّ السير أو اشتد، وتكشف طرف وجهه من حينٍ إلى حين لتتأكد أنه نائم في هدوء.
وكانت كلما نظرت إليه، تذكرت المدينة، والطلق، والليل الطويل، ثم تشعر أن تلك الآلام كلها قد ذابت في هذه الملامح الصغيرة التي ما تزال بين الغفوة والصحو.
ولما أشرفت العربة على المزرعة، كان يونس الحارس العجوز أول من لمحهم.
ترك ما في يده، ومشى على عجلته الصغيرة المعروفة، ثم وقف عند الباب الخشبي الذي اكتمل نصبه حديثًا، ورفع يديه إلى السماء وهو يبتسم بلا أسنانٍ تقريبًا وقال:
— الحمد لله… عاد البيت ومعه صوته.
ضحك سعيد، وقال:
— بل عاد البيت ومعه سيده الصغير.
فتلقف يونس العبارة وقال:
— لا تقل سيده الصغير يا سيدي، بل أول فرسانه.
وكان تقي الدين قد خرج وراءه، وفي وجهه تلك الهيبة التي لا تمنع الفرح، بل تزيده وقارًا.
تقدم إلى صفية أولًا، وقبّل رأسها، ثم نظر إلى القماط الأبيض كأنما ينظر إلى سطرٍ جديد أضيف إلى كتابٍ كان ينتظره منذ سنين.
ثم مدّ يديه إلى حفيده، وأخذه بحذرٍ يشبه خشية من يحمل شيئًا أكرم من أن يُمسَّ على عجل.
وتأمله طويلًا، ثم قال:
— هذا أول الغرس الذي سيثبت في الأرض.
فقالت مريم، وقد خرجت خلفه وعيناها مشرقتان:
— بل هذا أول الجبر الذي صار يُنادى باسمه.
ولم تكن الكلمات يومئذٍ مجرد عبارات تهنئة، بل كانت أشبه بأحكامٍ تُكتب على صدر الزمن.
وفي تلك الليلة، لم ينم البيت باكرًا.
كانت مريم تجلس قرب صفية وتراقب كيفية حملها له، وفاطمة أم سعيد تصحح لها بعض تفاصيل الرضاعة والنوم ولفِّ القماط، وآية بنت عماد الدين تقف قرب النافذة وتراقب المشهد بابتسامةٍ مشبعةٍ بالحنان.
أما الرجال، فكانوا يمرون بالمجلس بحجةٍ أو بغير حجة، وكلما دخل أحدهم قال:
— هل استيقظ؟
أو:
— هل فتح عينيه؟
أو:
— أيمكنني أن أحمله قليلًا؟
وكان هذا من لطف الله أيضًا:
أن البيت الذي عرف سنوات الانتظار والحرمان، صار الآن يتنافس على حمل رضيع.
الباب الثاني: فلسفة البيت الجديدة… القرآن أولًا، ثم الأرض، ثم الجبل، ثم السيف المؤجل
منذ الأيام الأولى لعودة عبدالملك، بدا واضحًا أن البيت في بخارستان لا يريد أن يكون مجرد بيتٍ سعيد يفرح بالصغار ثم يتركهم للسنين كيف تشاء.
بل كانت هناك في قلب سعيد، وفي عقل تقي الدين، وفي حدس صفية نفسها، فلسفةٌ آخذة في التشكل:
أن هؤلاء الأطفال لن يُربَّوا على الدفء وحده، بل على المعنى.
في إحدى الليالي، وكان عبدالملك قد بدأ يهدأ في نومه الطويل، جلس سعيد مع تقي الدين في ساحة البيت الداخلية بعد صلاة العشاء.
كان القمر يعلو السطح الجديد، وصوت الماء من الجدول القريب يأتي خافتًا كأن الليل يقرأ على مسامعهم شيئًا من الطمأنينة.
قال سعيد وهو ينظر إلى الغرفة التي تنام فيها صفية وولدها:
— يا عم، الطفل الأول يعلّم الرجل أشياء لم يكن يعرف أنه يجهلها.
فقال تقي الدين:
— كأنك اكتشفت أنك كنت رجلًا ناقصًا قبل أن يصير لك ولد؟
فضحك سعيد وقال:
— نعم، أو نصف رجل.
فقال تقي الدين:
— لا، بل كنت رجلًا في طريقه إلى تمامٍ آخر.
ثم سكتا قليلًا، قبل أن يقول سعيد بنبرةٍ تميل إلى التأمل:
— أفكر من الآن كيف ينبغي أن نربيه.
قال تقي الدين:
— ليس هو وحده.
رفع سعيد عينيه إليه.
فأكمل:
— البيت إذا بدأ لا يقف عند ولدٍ واحد.
ثم أشار إلى المسجد القريب وقال:
— أول ما ينبغي أن يسمعه القرآن.
وأشار إلى السهل الممتد أمامهما وقال:
— ثم يعرف الأرض بقدميه.
وأشار إلى الجبال البعيدة وقال:
— ثم يرى من بعيد ما يعلّمه معنى العلو والمشقة.
وأخيرًا مدّ يده كأنه يقبض على شيءٍ غير موجود بعد وقال:
— فإذا اشتد عظمه، عرف الفروسية لا لعبًا بل خلقًا.
كان الكلام يهبط على سعيد كما يهبط الماء على أرضٍ عطشى.
أما صفية، فقد كانت خلف الباب تسمع بعضه وهي ترضع ولدها.
وحين دخل عليها سعيد بعد ذلك، وجدها شاردةً على غير عادتها.
فقال:
— فيمِ تفكرين؟
قالت وهي تنظر إلى عبدالملك:
— أفكر أنكم تتكلمون عن الجبال والسيوف، وأنا ما زلت أفكر في كيفية نومه بعد الرضاعة.
فضحك وقال:
— لأن الله قسم الأدوار بين القلوب.
فقالت:
— لا، بل لأن الأم ترى البدايات صغيرة جدًا، بينما يرى الرجال النهايات بعيدة جدًا.
فقال:
— وكلانا يحتاج الآخر إذن.
فأومأت، ثم قالت وهي تضم الطفل أكثر:
— ليكن ما تريدون من الفروسية بعد أعوام… أما الآن، فليكن أول ما يتعلمه من الدنيا أنه محبوب.
وكان هذا الجواب من صفية أصلًا آخر من أصول البيت:
أن التربية الصلبة لا تقوم على القسوة، بل على محبةٍ واعية.
وهكذا بدأت فلسفة بخارستان تنسج خيوطها:
رحمةُ الأم،
ورؤيةُ الأب،
وخبرةُ الجد،
ودعاءُ الأمّين،
ثم يأتي بعد ذلك الأطفال ليملأوا هذا الإطار بالأصوات والحركة والفتنة الجميلة.
الباب الثالث: عبدالملك بين المسجد والضوء… الطفل الذي تربى أولًا على السكينة
كبر عبدالملك في شهوره الأولى على إيقاعٍ خاص.
لم يكن البيت يرفعه من حضنٍ إلى حضن كما يحدث في البيوت المترفة وحدها، بل كان كل انتقالٍ له بين الأيدي مصحوبًا بمعنى.
فإذا حملته مريم قرأت عليه آياتٍ مما تحفظ، ومسحت على رأسه بكفٍّ تعرف كيف تهدئ القلوب قبل الأطفال.
وإذا حملته فاطمة أم سعيد، حكت له بصوتٍ خافتٍ حكاياتٍ لا يفهمها هو، لكن روح البيت كانت تفهمها، عن الرجال الذين ينشؤون على القبلة فلا يتيهون، وعن النساء اللواتي يُخرجن الأبطال من بين الدعاء والصبر.
وإذا أخذه سعيد، مشى به إلى طرف المزرعة وقت الشروق، يريه الضوء وهو يهبط على العشب، كأن الأب منذ الآن يريد أن يجعل أول ذاكرةٍ تسكن جسد ابنه ذاكرةً مرتبطةً بالأفق.
أما صفية، فكانت ألين الناس عليه، لكنها لم تكن لينةً إلى حد الإفساد.
كانت تعرف من جوعها القديم إلى الحنان أن الطفل الذي لا يُحَبُّ في أول عمره يصير في روحه شيءٌ خشن حتى لو ابتسم.
لذلك كانت تحمله طويلًا، وتغني له أحيانًا بكلماتٍ ليست أغنياتٍ معروفة، بل أدعيةً موزونة خرجت من قلبها وحده:
— يا نور عيني، يا أوّل الستر، يا ابن الطريق الذي طُهِّر، يا من جئت بعد عسرٍ طويل، اجعلك الله من أهل الثبات…
وكانت كلماته تخرج بسيطة، لكنها تبقى في هواء الغرفة كأنها طلاءٌ غير مرئي على الجدران.
وحين اشتدّ عوده قليلًا وصار يفتح عينيه طويلًا ويتتبع الضوء، قالت صفية لمريم مرةً:
— أشعر أنه لا يشبه الأطفال في نظرته.
فقالت مريم:
— كل أمّ ترى ولدها هكذا.
فقالت صفية:
— لا، أقصد شيئًا آخر… كأنه يحدق في الأشياء كما لو كان يحاول فهمها.
فابتسمت مريم وقالت:
— وهذا أيضًا مما تقوله الأمهات.
ثم صمتت لحظةً وأردفت بنبرةٍ أقل مزاحًا:
— لكن بعض الأطفال يمرّ فيهم من الوقار شيءٌ باكر، نعم.
وكان تقي الدين يأخذه أحيانًا إلى المسجد الصغير بعد الفجر.
لا لشيءٍ يمكن للرضيع أن يفهمه، بل لأن الجد كان يقول:
— الطفل لا يعقل المواضع بعقله أولًا، بل بجسده. فإذا اعتاد جسده السكينة قبل أن يعتاد الضجيج، كان ذلك خيرًا له.
فيجلس به عند باب المسجد، ويقرأ شيئًا من القرآن بصوتٍ خفيض.
وكان عبدالملك يهدأ على نحوٍ عجيب كلما سمع ذلك.
فإذا عاد به، قالت صفية:
— ماذا فعلت به حتى نام؟
فيقول تقي الدين:
— لم أفعل شيئًا… المسجد هو الذي فعل.
وكان هذا أول غرسٍ في ولدٍ سيكبر بعد ذلك على غير ما يكبر عليه أكثر الأطفال.
الباب الرابع: حمل أحمد… حين عرفت صفية أن البيت لن يقف عند برهانٍ واحد
لم تطل السنون حتى عاد الرحم إلى رسالته من جديد.
وكان البيت، بعد أن استقر شيئًا، قد دخل في نسقه اليومي:
صلاة،
وعمل في الأرض،
وبناء يكتمل على مهل،
ومجلس مساء،
وضوء صباح،
وصغيرٌ أول يملأ الفراغ بالحركة والأنين والابتسامات الناشئة.
وفي هذا النسق الهادئ، بدأت صفية تشعر بتغيرٍ مألوفٍ يعود إليها، لكنه هذه المرة لم يأتِ مصحوبًا بالرهبة القديمة كما جاء حمل عبدالملك، بل جاء وفي داخله شيءٌ من الألفة.
صارت تتعب بسرعةٍ أكبر، وتشمّ الروائح بقوةٍ مزعجة، ويغلبها سكونٌ خاص بعد صلاة الظهر، حتى التقطت فاطمة أم سعيد الأمر قبل أن تتأكد هي.
قالت لها ذات صباح وهي تراها تدفع الطبق بعيدًا:
— أهذه عودةُ القصة نفسها؟
فاحمرّ وجه صفية، وقالت:
— لا أعلم بعد.
فقالت فاطمة مبتسمة:
— بل أعلم أنا من وجهك.
وحين ثبت الحمل، لم يكن الفرح في البيت أقل مما كان مع عبدالملك، لكنه كان فرحًا مختلفًا.
الأول كان معجزة البداية، والثاني كان إعلان الاستمرار.
قال سعيد حين أخبرته:
— إذن فالبيت أخذ يتكلم بلسانه.
فضحكت صفية وقالت:
— وما لسان البيت؟
فقال:
— صغاره.
أما عبدالملك، فكان لا يزال صغيرًا على أن يفهم معنى الحمل، لكنه كان يشعر أن شيئًا ما تغير في أمه.
صار يتعلق بها أكثر، ويطلب حضنها بإلحاح، ويغضب إذا طالت وقفته في حضن غيرها.
وكانت صفية ترى ذلك، فتشعر بوخزةٍ عاطفية خفية:
كيف تستطيع الأم أن تتسع لقلبين، ثم ثلاثة، ثم أكثر، من غير أن يضيق بعضها ببعض؟
وكانت مريم تجيبها من غير أن تسأل:
— الأمومة لا تقسم القلب يا ابنتي… الأمومة توسّعه.
وفي إحدى الليالي، خرجت صفية إلى الساحة وهي في أول حملها بأحمد، فوجدت سعيدًا جالسًا يصلح شيئًا من لجام حصانٍ جديد كان قد اشتراه للمزرعة.
جلست قربه وقالت:
— ماذا لو كثروا علينا يا سعيد؟
فنظر إليها مبتسمًا وقال:
— من؟
قالت:
— الأولاد.
فضحك وقال:
— وهل تقولينها بخوف أم برجاء؟
قالت:
— بالاثنين معًا.
فقال وهو يعيد الخيط في موضعه:
— البيت الذي بُني على هذا القدر من الدعاء لا يضيق بأهله.
ثم نظر إلى بطنها التي لم يظهر فيها شيءٌ بعد، وقال:
— لعل هذا يكون أشبه بي منكِ.
فقالت بسرعة:
— لا.
قال:
— ولماذا هذا الاعتراض السريع؟
قالت:
— لأن طباعك شديدة.
فقال ضاحكًا:
— إذن ليكن أشبه بك، لكن في الشجاعة لا في كثرة البكاء.
فقالت، وقد ضحكت هي أيضًا:
— أنا أبكي لأنني أعرف قيمة ما عندي.
فقال:
— ولهذا أحبكِ.
وهكذا دخل أحمد إلى الرواية أولًا في صورة حملٍ هادئ، لم يأتِ ليزاحم أخاه، بل ليؤكد أن البيت الذي بدأ بمولودٍ أول ليس بيت مصادفة، بل بيت سلالة.
الباب الخامس: ولادة أحمد… الطفل الذي أدخل البيت في طور الأخوّة
مرّ الحمل الثاني على صفية بأهدأ مما مرّ الأول، لكنها كانت أكثر خبرةً هذه المرة، وأشد إدراكًا لتفاصيل جسدها وتقلباته.
وكانت المزرعة نفسها قد صارت أكثر جاهزية، والبيت أكثر اكتمالًا، والمسجد أكثر حضورًا في الأيام، حتى بدا أن الولادة الثانية لن تأتي إلى فراغٍ ينتظر أن يُملأ، بل إلى بيتٍ جاهزٍ لاستقبال معنى الأخوّة.
وقبل الولادة بأسابيع، صار عبدالملك —وقد اشتدّ قليلًا— يتحرك في الساحة على قدميه المتعثرَتين، فيسقط ويقوم، ويضحك إذا حمله سعيد على كتفيه، ويصفق إذا سمع صوت الماء، ويهدأ فورًا إذا ضمته صفية إلى صدرها.
وكانت تنظر إليه وتفكر أحيانًا:
كيف سيستقبل وجودَ طفلٍ آخر؟
ثم تبتسم من نفسها، كأنها تقول:
وكأنه يملك الآن من الدنيا أكثر مما يشاركه فيه أحد.
وجاءت ولادة أحمد في بخارستان، في ليلةٍ لم تكن قاسيةً كليلة عبدالملك، لكنها لم تخلُ من مشقة.
وكانت صفية، في أثناء المخاض، أقل خوفًا من المجهول، لكنها أكثر وعيًا بما ينتظرها بعده.
فالأم في ولادتها الثانية لا تخوض فقط معركة الخروج بالحياة، بل تفكر أيضًا في الطفل الذي تركته خلفها نائمًا في البيت، وفي كيفية عودتها وهي تحمل أخاه.
خرج أحمد إلى الدنيا بصوتٍ أعلى من صوت عبدالملك، حتى قالت فاطمة أم سعيد مازحةً وهي تتأمله:
— هذا سيعلن عن نفسه حيثما دخل.
وقال تقي الدين، وقد أخذه بين يديه بعد الأذان في أذنه:
— لعل فيه حدةَ الرجال الصغار.
أما سعيد فكان يبتسم وهو يقول:
— المهم أن يكون فيه من أمه قلب.
واختير له اسم أحمد، كأن البيت أراد بعد اسم الملك أن ينتقل إلى اسم الحمد.
وكان في هذا تناسبٌ داخلي جميل:
عبدالملك جاء بعد انكسارٍ طويل بوصفه أول البرهان،
وأحمد جاء بعده بوصفه تثبيتًا للحمد الذي استقر.
ولما عادت صفية به إلى البيت، كانت اللحظة الأجمل ليست لحظة استقبال الكبار، بل لحظة اقتراب عبدالملك الصغير من القماط.
وقف ينظر إلى وجه أخيه بانتباهٍ شديد، ثم مدّ أصبعه الصغيرة إلى وجنته، فلما تحرك أحمد قليلًا تراجع عبدالملك إلى الخلف في دهشة، فضحك المجلس كله.
ثم حمله سعيد وقال له:
— هذا أخوك.
ولم يفهم الطفل العبارة كاملة بالطبع، لكنه ظل ينظر إلى وجه الصغير الآخر كما ينظر أحدهم إلى سرٍّ جديد نزل في البيت.
ومن يومها، دخلت الأسرة طورًا جديدًا:
لم يعد البيت بيت أبٍ وأمّ وطفل،
بل بيت أخوين،
والأخوّة بابٌ آخر من أبواب التربية، لأن الطفل لا يعرف نفسه كاملًا إلا إذا اصطدم قلبه بقلبٍ يشبهه ويختلف عنه في البيت نفسه.
الباب السادس: بين أحمد وعبدالملك… كيف بدأت صفية تتعلم هندسة القلب
وهنا بدأت على صفية مرحلةٌ جديدة لم تكن الأمومة الأولى قد علمتها كل شيءٍ عنها:
مرحلة توزيع القلب بين طفلين.
ولم يكن الأمر يسيرًا في الأيام الأولى.
أحمد يحتاج الرضاعة والسهر واللصوق الطويل،
وعبدالملك يحتاج إلى أن لا يشعر أنه صار بعد ولادة أخيه أقل مكانةً في حضن أمه.
وكانت هذه من اللحظات التي تظهر فيها خبرة النساء الكبيرات.
قالت لها فاطمة أم سعيد:
— إذا أرضعتِ الصغير، فلا تتركي الكبير واقفًا ينظر فقط. أجلسيه عند كتفك أو تحت يدك.
وقالت مريم:
— وامنحي عبدالملك مهمةً، ولو كانت صغيرة. قولي له: أنت تحفظ أخاك، أو: أنت تنظر إليه. الطفل يحب أن يُعطى دورًا.
أخذت صفية بالنصيحتين.
فصارت إذا أرضعت أحمد، أجلسَت عبدالملك قريبًا منها، تمسح على شعره بيدٍ، وتربت على الرضيع بالأخرى.
وكان مشهدها هكذا من أبلغ مشاهد البيت:
امرأةٌ ما تزال فتية، تحمل طفلًا على صدرها، وتضم بيدها الأخرى طفلًا أكبر بقليل، وتدير من بين هذين الجسدين الصغيرين بيتًا، وذكرًا، وصلاةً، وضحكًا، وانتظارًا لحملٍ ثالث ربما يأتي، من غير أن تسقط.
وفي مرةٍ دخل عليها سعيد فرآها على هذه الحال، فقال مبتسمًا:
— أظن أنكِ تحتاجين إلى أربع أيدٍ لا اثنتين.
فقالت وهي ترفع حاجبها في تعبٍ لطيف:
— وأين الرجل الذي يعدني كل ليلةٍ أن البيت لا يضيق بأهله؟
فضحك وقال:
— حاضر.
ثم أخذ عبدالملك إلى الخارج ومشى به في السهل، وترك لها ساعةً هادئة مع أحمد.
لكن الساعة الهادئة في بيوت الأطفال لا تدوم طويلًا.
فما هي إلا دقائق حتى سُمع صوت عبدالملك يبكي في الخارج لأنه رفض أن يعود قبل أن يرى الحصان مرةً أخرى، فعاد سعيد به وهو يقول:
— أظن أن ابننا الأول يحب العناد.
فقالت صفية:
— ليس عنادًا… بل بدأ يرى الأشياء ويريدها كلها.
فقال سعيد:
— إذن فلنُعلّمه من الآن أن ليس كل ما يُرى يُؤخذ.
وقالت:
— اتركوا لي الحنان واتركوا لأنفسكم المواعظ.
فقال تقي الدين من خلفهم، وقد دخل في آخر الجملة:
— بل البيت يحتاج الاثنين معًا.
وكان محقًا.
فبهذا التوازن بدأت تربية بخارستان تشتد:
حنانٌ لا يُفسد،
وشدةٌ لا تُقسي،
ومعنىً دائم وراء كل حركة.
الباب السابع: حمل التوأم محمد ومريم… حين دخل البيت معنى الازدواج والامتحان المضاعف
لم يكن قد مضى وقت طويل على استقرار أحمد في حضن البيت حتى بدأت علامات حملٍ جديد تظهر على صفية.
ولم تكن قد تتوقعه بهذه السرعة، لكنها حين علمت به لم تفزع كما قد تظن النساء اللواتي لا يعرفن معنى هذا البيت.
كان في داخلها تعب، نعم، وسؤال عن الكيفية التي ستحتمل بها هذا كله، لكن في داخلها أيضًا يقينٌ بأن الأرحام إذا كتب الله لها أن تكون بابًا لسلالةٍ لها أثر، لم تمشِ على إيقاع الراحة دائمًا.
ثبت الحمل، ومضت أشهره الأولى، ثم ظهر من المتابعة وما تقوله خبرة النساء والأطباء أن في الرحم اثنين لا واحدًا.
وكان الخبر مفاجئًا حتى للبيت الذي اعتاد الفرح.
قال سعيد أول ما علم:
— اثنان؟
وقالها بالطريقة التي تجمع بين الذهول والضحك معًا.
فضحكت صفية على رغم تعبها وقالت:
— كأنك تخاف أن تكون المقادير أسرع منك.
فقال:
— أنا لا أخاف… أنا فقط أحسب عدد الأيدي التي سنحتاجها.
أما مريم فوضعت يدها على كتف ابنتها وقالت:
— سيعينك الله.
وقالت فاطمة أم سعيد:
— البيت الذي ربّى اثنين يربي أربعة.
فقالت صفية في مزاحٍ متعب:
— أنتنّ تقلن هذا لأنكنّ لا تسهرن بدلًا عني كل الليل.
فقالت فاطمة:
— ومن قال لكِ إننا سنترككِ وحدك؟
وكان حمل التوأم مختلفًا من أوله.
أثقل، وأشد على الجسد، وأقرب إلى استنزاف قواها.
وكانت صفية أحيانًا تجلس بعد العصر وقد شعرت أن جسدها لم يعد لها وحدها، بل صار سفينةً تحمل أرواحًا أكثر من طاقتها الظاهرة.
وفي مثل تلك الساعات، كانت تخرج إلى طرف الساحة، وتجلس حيث ترى الجبال البعيدة، لأن النظر إلى الاتساع كان يخفف عنها ضيق البدن.
وفي ليلةٍ جلست كذلك، وجاء سعيد فجلس قربها، ثم قال:
— فيمِ تنظرين؟
قالت:
— إلى الجبال.
قال:
— ولماذا؟
قالت:
— لأنها ثابتة.
ثم سكتت قليلًا وأضافت:
— أشعر أنني هذه المرة لستُ أمًّا فقط… أشعر أنني معبر.
ففهم عمق تعبها، وقال:
— المعابر القوية هي التي توصل القوافل.
فقالت:
— وأحيانًا تنهكها الخطوات.
فأخذ يدها وقال:
— ولذلك لا تعبر وحدها.
وفي أثناء هذا الحمل، صار عبدالملك وأحمد طفلين في البيت، لكل واحدٍ صوته وطلبه وساعته، وزادت مشقة صفية، لكنها زادت معها أيضًا خبرتها.
كانت تعرف متى ترفع صوتها ومتى تخفضه، متى تضم ومتى تترك، متى تستعين بالأمّين ومتى تُبقي الأولاد عندها لتعلمهم الألفة.
وكان تقي الدين ينظر إليها أحيانًا فيقول في سرّه:
هذه المرأة لم تعد فقط ابنتي التي رُدّت إليّ… إنها الآن عمود بيت.
الباب الثامن: ولادة محمد ومريم… دخول التوأمية إلى قلب البيت
جاءت ولادة التوأم بعد حملٍ مرهق، وكانت الليلة أشد من سابقتيها.
فالرحم هذه المرة كان يفتح بابين في وقتٍ واحد، والجسد كله يعرف أن الخروج مضاعف، وأن التعب لن يكون عابرًا.
وكان البيت كله في تلك الساعات متيقظًا بطريقةٍ مختلفة.
ليس لأنهم يخافون فقط، بل لأنهم صاروا يعرفون صفية أكثر، ويعرفون كيف يُنصتون لآلامها، ويعرفون أنها وإن كانت قوية، فإن القوة إذا كثرت عليها الأثقال احتاجت إلى من يسندها بالعين والدعاء والصمت.
خرج الطفل الأول، ثم تبعه الثاني، وجاء الخبر كما تأتي الأخبار التي تجعل البيت كله يضحك في الوقت نفسه:
ولدٌ وبنت.
واختير للاسمين محمد ومريم، فصار في البيت من يومها شيءٌ من جمال التوازن:
ذكرٌ وأنثى،
حركةٌ ونعومة،
اسمُ نبيٍّ، واسمُ امرأةٍ طاهرة،
وكأن الرواية أرادت أن تجعل البيت بعد الثنائية الأولى في العدد يدخل الثنائية في المعنى أيضًا.
وحين حُملا إلى صفية، بكت هذه المرة بكاءً مختلفًا.
لم يكن بكاء الجبر الأول كما كان مع عبدالملك، ولا بكاء التثبيت كما كان مع أحمد، بل بكاء من أحسّت أن الرحمة تتكاثر حولها إلى حدٍّ يكاد يرهقها من جماله.
قالت لمريم أمها وهي تحدق في الطفلين:
— كيف يمكن للقلب أن يتسع هكذا؟
فقالت مريم:
— لأنه ليس قلبك وحدك… الله هو الذي يوسعه.
وقالت فاطمة أم سعيد:
— والآن سيصير البيت بيت أربعة أطفال.
فقال سعيد من عند الباب:
— بل بيت أربعة أبواب للجنون الجميل.
فضحك الجميع، حتى صفية وهي مرهقة.
ولما عادوا بهم إلى البيت، كان المشهد جديدًا تمامًا:
عبدالملك يركض في الساحة،
وأحمد يتعثر خلفه،
ومحمد ومريم في القماطين،
وصفية بين الرضاعة والتهدئة والنوم القصير،
ومريم وفاطمة تتناوبان معها،
وسعيد وتقي الدين يخرجان إلى الأرض ثم يعودان وفي صدريهما شوقٌ إلى الداخل لا يعترفان به كثيرًا.
ودخلت التوأمية البيت لا كزيادة عددية فحسب، بل كتجربةٍ تربوية جديدة.
صار على صفية أن تفهم أن الأطفال لا يطلبون الطعام وحده، بل يطلب كل واحدٍ أن يُرى.
وصار على البيت كله أن يتعلم التوزيع الدقيق للرحمة.
وكان هذا في ذاته مدرسةً أولى في العدل.
الباب التاسع: عبدالله… الحمل الذي جاء بعد أن اشتد البيت وصار للصغار ساحة وأثر
ومع مرور الأعوام القليلة، بدأت ملامح البيت في بخارستان تشتد.
لم يعد مجرد بيتٍ ناشئ، بل صار فيه ساحةٌ تُسمع فيها خطوات الصغار منذ الصباح، ومسجدٌ يُفتَح للفجر كما يُفتح للمغرب، وأشجارٌ صار لعب الأطفال حولها جزءًا من هويتها، وسهلٌ يعرف وقع الأقدام الصغيرة بعد الكبيرة.
وفي هذا الجو، جاء حمل عبدالله.
وكان مجيئه مختلفًا عن الأحمال السابقة من جهة أن صفية لم تعد تتعامل مع الحمل بصفته حدثًا يملأ البيت وحده، بل حدثًا يتعين عليها أن تنسقه داخل بيتٍ ممتلئ أصلًا.
كان عبدالملك قد بدأ يعقل الكلام أكثر، وأحمد صار أشد حضورًا، ومحمد ومريم يدخلان طور الحركة الأولى، فصار الحمل الجديد كأنه يُضاف إلى أوركسترا قائمة لا إلى صمت.
قالت صفية لسعيد يوم أخبرته:
— هذه المرة لا أشعر أنني حامل فقط… أشعر أنني أدير مدينة صغيرة.
فضحك وقال:
— الحمد لله أن المدينة في يدِك لا في يدِ رجلٍ مثلي.
قالت:
— ولماذا؟
قال:
— لأنني كنت سأعلن الأحكام العرفية من اليوم الأول.
فضحكت، ثم قالت وهي تضع يدها على بطنها:
— لعل هذا الولد يأتي وفيه شيءٌ من السكون.
فقال:
— بل لعل فيه شيءٌ من الثبات.
ولم تكن التسمية قد استقرت بعد، لكن اسم عبدالله كان يمر في المجلس بين وقتٍ وآخر، حتى كأن الرحم نفسه يسمعه ويألفه.
وكان تقي الدين يحب هذا الاسم، ويقول:
— ما أجمل أن يُفتتح عمر الرجل بأن يكون عبدًا لله قبل كل شيء.
وكان هذا الحمل أهدأ على صفية من حمل التوأم، لكن مشقته جاءت من جهةٍ أخرى:
من كثرة من حولها.
كل طفل يحتاجها بطريقته، وكل واحدٍ منهم له ساعة بكاء، وساعة لعب، وساعة تعلق، وساعة نوم.
وكانت تشعر أحيانًا أن يومها مقطعٌ إلى عشرات الأجزاء الصغيرة التي لا تكاد تنتهي.
لكنّ ما كان يخفف عنها دائمًا هو أن البيت كله لم يتركها وحدها.
فهذا معنى الأسرة الحقيقية:
أن الأم تحمل الثقل الأكبر، نعم، لكن لا تُترك تحته.
وفي أحد الأيام، أخذ سعيد عبدالملك وأحمد إلى طرف الجبل القريب، ليعودا قبل الغروب.
ولما عادوا، كان على وجه عبدالملك غبارٌ خفيف وفرحٌ متعب، وعلى وجه أحمد دهشة من رأى العالم أكبر مما كان يظن.
قال سعيد لصفية:
— الجبل يعلّم الأولاد الصمت أولًا.
فقالت وهي تنظر إلى حاليهما:
— ويعلم الآباء أيضًا أن يعودوا بهم قبل أن ينهاروا من الجوع.
فضحك، وأجلسهما بين يديها، وشعرت أن الحمل الجديد في بطنها يبتسم من داخله لبيتٍ بدأ يتشكل حول القوة والرحمة معًا.
ثم جاء وقت الولادة، وخرج عبدالله إلى الدنيا في ليلةٍ هادئة نسبيًا، حتى قالت مريم:
— لعل هذا الولد اختار أن لا يرهق أمه كما فعل إخوته.
وقال سعيد وهو يؤذن في أذنه:
— أو لعل الله جعل طبعه في مجيئه.
واستقر الاسم: عبدالله.
وكان في وجهه منذ الأيام الأولى شيءٌ من الهدوء الذي لا يعني الضعف، بل يعني استقامةً داخلية.
ولذلك أحبّه تقي الدين على نحوٍ خاص، وقال مرةً وهو يحمله:
— هذا سيكون له شأن في الثبات.
الباب العاشر: خديجة وعائشة… حين دخل البيت طور البنات بعد كثرة الفتيان
ثم جاء الدور على حملٍ آخر، لكنه كان مختلفًا في استقبال البيت له من البداية.
فقد صار في البيت من الفتيان ما جعل النساء —وخاصة مريم وفاطمة— يتمنين أن يرزق الله صفية ببنتٍ تُدخل إلى المجلس شيئًا آخر من الجمال والسكينة والنعومة.
وحين ثبت الحمل، كانت صفية أقل خوفًا من كل مرة، لكنها أكثر تعبًا من مجموع ما سبقها.
فالعمر يمضي، والأطفال حولها يكثرون، والبيت يتسع، والمزرعة تحتاج حضورًا، وسعيد وتقي الدين قد بدآ من وقتٍ إلى آخر يخرجان بالأكبر سنًا نحو الجبال والسهل أكثر، فصارت مسؤوليتهما التربوية تكبر، وصارت مسئولياتها الداخلية تتشعب.
وفي منتصف هذا الحمل، ظهرت العلامات التي توحي من جديد بأن في الرحم اثنين لا واحدًا.
فضحك سعيد حين علم وقال:
— يبدو أن التوأمية أحبت بيتنا.
وقالت صفية في مزاحٍ فيه تعب:
— أو يبدو أن البيت لا يكتفي بالقليل.
ثم جاءت البشرى الأجمل للنساء:
التوأم بنتان.
وكان هذا الخبر قد أضاء المجلس من الداخل حتى قبل الولادة.
قالت فاطمة أم سعيد:
— ليكن في هذا البيت من يملؤه بزينتهن كما ملأه الصبيان بضجيجهم.
وقالت مريم وهي تبتسم:
— البنات رحمةٌ مخصوصة.
واختير للاسمين خديجة وعائشة قبل الولادة بوقتٍ طويل، حتى كأن الاسمين كانا يمشيان في البيت قبل أن تأتي صاحبتهما.
وكانت صفية كلما لمست بطنها، تخيلت بنتين صغيرتين تمشيان يومًا بين إخوتهم في ساحة المزرعة، وتدخلان المسجد مع الجدات، وتجلسان عند أمّهما تتعلمان منها ما لا يتعلمه الرجال.
وجاءت الولادة، وجاءت البنتان، وامتلأ البيت بنوعٍ جديد من الفرح.
ليس لأن البنات خيرٌ من البنين، بل لأن التوازن إذا دخل إلى البيوت أعطاها جمالًا آخر.
صار في البيت الآن من يتكلمون عن الخيول والسهل والجبل، ومن ستجلس لهنّ صفية يومًا لتعلمهن الحياء والقوة والقرآن وحسن التدبير.
وصرن خديجة وعائشة منذ أول أيامهما تحظيان بعناية خاصة من الجدة مريم، التي كانت تقول وهي تحملهما:
— البنات نصف البيت إذا أحسنّ القيام، بل أكثر.
أما سعيد، فكان ينظر إليهما في شيءٍ من الحذر الجميل الذي يعرفه الآباء مع البنات لأول مرة.
فقالت له صفية يوم رأته يحمل خديجة على غير اطمئنان:
— ما بالك تمسكها كأنها زجاج؟
فقال:
— لأنها أخف من أن أصدق أنها بشر.
فضحكت وقالت:
— ستكبران وتتعبانك أكثر من إخوتهم.
فقال:
— لا بأس… يبدو أن الله أراد أن يكسر شدتي بشيءٍ آخر.
وهكذا دخلت البنات إلى الرواية، لا كزينةٍ جانبية، بل كجزءٍ أصيل من السلالة التي ستكبر على المعنى نفسه.
الباب الحادي عشر: الجبال الأولى… كيف بدأ سعيد وتقي الدين يأخذان الكبار إلى الأفق
لم يعد القرآن وحده في المسجد، ولا اللعب وحده في الساحة، بل صار الأفق جزءًا من المنهج، وصارت الجبال كتابًا مفتوحًا يُقرأ فيه الأولاد كما يقرأون في الألواح.
كان عبدالملك أول من دخل هذا الباب على نحوٍ مقصود.
لم يعد رضيعًا ولا طفلًا متعثرًا فقط، بل صار قادرًا على المشي مسافاتٍ قصيرة، وعلى الإصغاء لحديث الرجال، وعلى أن يشعر بالرهبة إذا ارتفع به الطريق قليلًا.
وكان أحمد يلحق به، ثم يأتي بعدهما محمد حين اشتد عوده، بينما تبقى البنات وأصغر الصغار في البيت مع صفية والأمّين.
في أحد صباحات الربيع، خرج سعيد وتقي الدين بعبدالملك وأحمد إلى الجبل القريب.
لم يكونا ذاهبين لبطولةٍ ولا لامتحان شدةٍ خارق، بل لدرسٍ أول.
ساروا بهم على مهل، وتوقفوا في مواضع عدة.
مرةً ليشربوا الماء،
ومرةً ليريهم سعيد كيف ينظر المرء إلى السهل من فوق، فيفهم معنى الاتساع،
ومرةً ليقول تقي الدين:
— الجبل لا يُصعد بالجري، بل بالثبات.
وكان عبدالملك يصغي.
أما أحمد، فكان يسأل كثيرًا.
وهذا الاختلاف بين الولدين بدأ يظهر باكرًا:
الأول فيه وقار نظرٍ أطول،
والثاني فيه حيوية سؤالٍ أسرع.
وكان سعيد يحب هذا الاختلاف، لأن التربية ليست في صبِّ الأولاد في قالبٍ واحد، بل في معرفة طبع كل واحدٍ منهم ثم تهذيبه.
ولما عادوا مساءً، كانوا متعبين، لكن في وجوه الصغار ضوءًا جديدًا.
سألتهم صفية:
— ماذا فعلتم؟
قال أحمد بحماس:
— رأينا السهل كله!
وقال عبدالملك، وكان أقل كلامًا:
— الجبل عالٍ… لكنه لا يخيف إذا كنت مع أبي.
فسكتت صفية لحظةً لهذه الجملة، ثم نظرت إلى سعيد.
وكان في نظرها شكرٌ لم تقله.
لأن الأب حين يجعل الجبل درسًا في الطمأنينة لا في الرعب، يضع في ولده حجرًا مهمًا من بناء الرجولة.
ثم صارت هذه الخرجات تتكرر، تارةً مع سعيد، وتارةً مع تقي الدين، وتارةً معهما معًا.
وفي بعض الأيام، كانوا يحملون معهم أقواسًا صغيرة من الخشب لا للرمي الحقيقي، بل لتعويد اليد على الإمساك والانتباه، أو خيولًا هادئة ليعتاد الأطفال الاقتراب منها أولًا قبل ركوبها يومًا.
وهكذا بدأت الفروسية في بخارستان لا بوصفها مهارةً فقط، بل بوصفها جزءًا من فلسفة البيت التي تمزج القرآن بالأرض، والقبلة بالأفق.
الباب الثاني عشر: آخر عقد بخارستان… حمل فاطمة الذي بدأ هنا، ليُتمّ الله قصته في البوسنة
وبينما كان البيت يمتلئ بهذا كله:
صغارًا في الساحة،
وأصواتًا عند الفجر،
وخطواتٍ نحو الجبال،
ومجالسَ علمٍ ودعاء،
وأمًّا تتنقل بين حضنٍ وحضن،
وأبًا وجدًا يريان في كل طفلٍ مشروع مستقبل—
جاء الحمل الأخير في بخارستان، الحمل الذي سيغلق هذه الصفحة ويفتح الصفحة التالية في وقتٍ واحد.
ثبت حمل فاطمة، لكنها لم تُولد في بخارستان.
وكان لخبر الحمل هذه المرة وقعٌ مختلف.
لم يعد البيت ينظر إليه بوصفه مجرد زيادة في العدد، بل كأنما أحس الجميع أن هذا الحمل يأتي على عتبة انتقالٍ أكبر.
فالأولاد كثروا، والمزرعة نضجت، والبيت اشتدّ، والمجلس لم يعد يضيق بالناس، وسعيد وتقي الدين أخذا يتكلمان أكثر فأكثر عن الأفق الأوسع، عن الأرض التي يمكن أن تُقام فيها سلالةٌ أكبر، عن البوسنة التي ستشهد الفصل التالي من العمر.
قالت صفية لسعيد في إحدى الليالي، وهي تلمس بطنها وقد بدأت تعرف هذه الأحاسيس معرفة الخبيرة:
— أشعر أن هذا الحمل يأتي ومعه سفر.
فقال:
— ولِمَ تقولين هذا؟
قالت:
— لا أدري… لكن قلبي لا يشعر أنني سأضعه هنا.
فسكت سعيد قليلًا، لأنه هو أيضًا كان يسمع في المجالس حديثًا يتكرر عن الرحيل الكبير القادم.
ثم قال:
— أينما وُلد، فسيولد وبيته قائم.
فقالت:
— نعم… وهذا يكفي.
أما مريم، فقد كانت تشعر أن ابنتها تقف الآن عند طرف مرحلةٍ كاملة.
فقالت لها يومًا وهي تمشط شعر خديجة الصغيرة وتراقب الباقين من بعيد:
— يا ابنتي، حين وصلتكُ أول مرة عند الباب، لم أكن أتصور أنني سأجلس يومًا وأرى من حولك هذا الجمع كله.
ثم نظرت إلى الساحة:
عبدالملك،
وأحمد،
ومحمد،
ومريم،
وعبدالله،
وخديجة،
وعائشة،
والحمل الجديد في الطريق.
وقالت:
— صار البيت قصيدةً تمشي.
فابتسمت صفية، لكنها لم تجب فورًا.
كانت تنظر إلى أولادها كما تنظر المرأة إلى شجرةٍ لم تكن يومًا تظن أنها ستثمر هذا العدد من الأغصان.
ثم قالت أخيرًا:
— وكل غصنٍ منهم يحتاج سقيًا مختلفًا.
فقالت مريم:
— وأنتِ لها.