لم يأتِ قرار الخروج من بخارستان في صورة أمرٍ مفاجئ ينزل على البيت كما تنزل الأخبار الحادة التي لا تمهّد لها الأيام، بل جاء على هيئة صمتٍ تغيّر شكله.
فمنذ أشهر، كان البيت يسمع في مجالس الليل كلامًا يطول حول البوسنة:
عن أرضٍ مسلمةٍ مكسورة،
وعن قومٍ أُنهكتهم الانقسامات،
وعن حاجة البلد إلى من يبني قبل أن يحكم،
وإلى من يواسي قبل أن يأمر،
وإلى من يعمر المسجد والمزرعة والسوق والمدرسة قبل أن يرفع راية الدولة على الأسوار.
وكان سعيد وتقي الدين يتكلمان في ذلك كثيرًا، لا بحماسة الرجال الذين يسكرهم الحلم ويغفلون عن ثمنه، بل بعقلٍ بارد الوعي، حار النية.
في إحدى الليالي، بعد أن نام الصغار أو تظاهروا بالنوم، جلس سعيد وتقي الدين في الساحة الداخلية، وبينهما مصباح زيتٍ ساكن، وعلى طرف المجلس كانت صفية تسمع بعض الحديث وهي تطوي ثياب الأطفال استعدادًا ليومٍ تالٍ يشبه ما قبله في الظاهر، ويختلف عنه في العمق.
قال سعيد:
— إذا دخلنا البوسنة ونحن نظن أن الناس ينتظروننا فقط لنأمرهم، خسرناهم من أول الطريق.
فقال تقي الدين:
— وإذا دخلناها بالمال وحده، اشترينا أجسادًا لا قلوبًا.
فقال سعيد:
— وإذا دخلناها بالعاطفة وحدها، انكسرنا عند أول موسم شدة.
فقال تقي الدين:
— إذن لا بد من البناء من القاعدة: العلم، والتحالف، والإغاثة، وحفظ الدين، وتربية الرجال، ثم يأتي بعد ذلك ما يأتي.
وكانت صفية تسمع، وتشعر أن الكلام لا يدور عن بلدٍ بعيدٍ فقط، بل عن مصير بيتها كله.
فخروجهم إلى البوسنة لن يكون سفرًا كسائر الأسفار، بل انتقالًا من مرحلةٍ اكتفت فيها الأسرة بأن تنجو وتبني، إلى مرحلةٍ تُطلب فيها منها أن تكون يدًا لنجاة غيرها وبناءً لغيرها أيضًا.
وحين دخل سعيد عليها بعد المجلس، وجدها ساكتةً أكثر من عادتها.
فقال:
— فيمَ تفكرين؟
قالت:
— في أن البيوت أحيانًا تعتاد السكينة، ثم يطلب الله منها أن تتحول إلى سفن.
فابتسم، وقال:
— وهل تخافين البحر؟
قالت:
— لا أخافه إذا كنتُ أعرف لماذا ندخله.
فقال:
— ندخله لأن هناك أرضًا تنتظر من يحمل إليها شيئًا غير الكلام.
وهكذا نطق القرار في البيت أولًا على هيئة معنى، قبل أن يصير حركةً وصناديق وخيولًا ووداعًا.