لم يطل البحث كثيرًا، لأن الرجال كانوا يعرفون ما يريدون:
ليس مزرعةً صغيرة تكفي للأسرة وحدها،
بل أرضًا كبيرة تتسع للبيت الكبير، ولبيوتٍ أخرى، وللمسجد، وللخيل، وللزرع، ولمن قد يأتي بعد ذلك من طلاب علمٍ أو رجالٍ يلتحقون بالمشروع أو أسرٍ تحتاج مأوى.
وحين وقفوا في الموضع الذي استقر عليه الرأي، شعرت صفية من النظرة الأولى أن الأرض تنتظرهم.
كان فيها سهلٌ رحب، وجانبٌ يصلح للغرس، وجانبٌ مرتفع قليلًا صالح للبناء، وماءٌ قريب، ومسافات تسمح بأن يقوم فيها أكثر من بيتٍ لا بيت واحد فقط.
قال سعيد وهو يشير بيده:
— البيت الكبير يكون هنا.
وقال تقي الدين:
— والمسجد هنا، في القلب، لا على الطرف.
وقالت صفية، وقد نظرت إلى اتساع المكان كله:
— وبيوت الإخوة هناك، بحيث يبقى القرب ولا يضيق الناس ببعضهم.
فنظر إليها تقي الدين وقال:
— نعم… هذا هو الرأي.
وهكذا، من اللحظة الأولى، لم يفكروا في بيت سعيد وصفية وحده، بل في مجموعة بيوت؛
بيت لهم،
وبيوت لتقي الدين ومريم وأبنائهما حيث يلزم،
ومواضع للضيافة،
ومكان للزرع،
ومكان للخيل،
ومكان للتعليم والتدريب.
وكان هذا هو الفرق بين من يهاجر ليعيش فقط، ومن يهاجر ليؤسس.
الأول يبحث عن سقف،
والثاني يبحث عن موضع حضارة صغيرة.
وفي ذلك اليوم، مرّ رجلٌ من أهل البوسنة المسلمين، كان يعرف صاحب الأرض أو من يتوسط في أمرها، فلما رأى حركة الرجال والنساء والأطفال، قال لسعيد:
— أأنتم نازلون هنا؟
قال:
— نعم، إن شاء الله.
فقال الرجل وهو يتأمل المكان:
— إذن سيقوم هنا شيء.
فقال سعيد:
— نسأل الله أن يقوم فيه خير.
فقال الرجل:
— الخير يُعرف من أول نظرة إلى الناس الذين يحملونه.
وكانت تلك من البشائر الصغيرة التي لا تُكتب في السجلات، لكنها تُثبِّت القلوب.