ثم لاحت البوسنة.
لم تدخلها الأسرة كما دخلت بخارستان يوم كان باب النسب ينتظر صفية، بل دخلوها هذه المرة على هيئة قافلةٍ تحمل معها بيتًا كاملًا ومشروعًا كاملاً.
وكان أول ما أصابهم عند النظر إليها أن الأرض بدت كإنسانٍ جميلٍ أنهكته الجراح لكنه لم يمت.
الجبال هناك أوسع حضنًا وأشد خضرة،
والسهول مفتوحة على مسافاتٍ تدعو إلى الزرع والرعي والخيول،
والقرى المسلمة تحمل في بعضها آثار إيمانٍ قديم، وفي بعضها الآخر آثار ضعفٍ طويل.
وكان في الجو شيءٌ من الحزن النبيل، ذلك الحزن الذي يخلفه التاريخ إذا مرّت على البلاد مواسم ذلٍّ ثم ظلت فيها بقية نور.
وقف سعيد في موضعٍ مرتفع نسبيًا، ونظر طويلًا.
وقف تقي الدين إلى جواره، ثم قال:
— هذه أرضٌ تحتاج من يحبها قبل أن يحكمها.
فقال سعيد:
— ولهذا جئنا.
أما صفية، فكانت ترى من وراء ألم حملها ورجفة الوصول شيئًا آخر:
أن الأرض هنا واسعة بما يكفي للأبناء،
وللمزرعة الكبرى،
وللبيوت التي ستُبنى،
وللمسجد الذي سيصبح قلب هذا الانتقال،
ولمواضع التدريب التي سيقف فيها سعيد وتقي الدين يومًا مع عبدالملك وإخوته.
العلم،
والمال،
والتحالفات،
والدعوة،
والإغاثة،
والفروسية،
والقاعدة الاجتماعية قبل القاعدة العسكرية.
ولم يكن أول ما بحثوا عنه قصرًا ولا موضع حكم، بل موضع استقرار صالح:
أرضٌ تصلح للزرع،
وتتسع للبيوت،
ويُقام فيها مسجد،
ويكون فيها مكانٌ يُدرَّب فيه الأولاد والرجال،
وتستطيع النساء أن يبدأن منها ما يلزم من رتق النفوس والبيوت.
وهكذا عرفت البوسنة أولًا أقدام البنّائين والداعين، لا أقدام المتفاخرين.