باب من الرواية

الباب الثامن: البشارة التي نزلت بين الطريقين… واشتداد حمل فاطمة

الفصل الثالث والعشرون — الخروج من بخارستان إلى البوسنة

ومع امتداد الطريق، بدأ حمل فاطمة يشتد.

ولم يعد الأمر مجرد تعبٍ عادي يصيب المرأة الحامل في السفر، بل صار يقترب من الموعد الذي يجعل كل محطة تُحسب، وكل مسافةٍ تُنظر بعينين بدل عين.

في صباحٍ رمادي، بعد ليلةٍ صعبة، قالت صفية لمريم وهي تحاول أن تخفي انقباضة ألم:

— أظن أن فاطمة لم تعد تحب التأخير.

ففهمت مريم من نبرة الصوت أكثر مما فهمت من الجملة، فقالت بهدوء:

— لا تجهدي نفسك اليوم.

وسمعتها فاطمة أم سعيد، فاقتربت ولم تقل: “أأنت بخير؟” كما يقول الجاهلون بما لا يقال في وقته، بل قالت فقط:

— سأكون بجوارك.

وحين علم سعيد أن الألم بدأ يشتد قليلًا، لم يُظهر ارتباكًا يربك غيره، لكنه أعاد ترتيب حركة القافلة في الحال.

صار التوقف أكثر، والسرعة أهدأ، والبحث عن موضع الوصول التالي أقرب إلى الضرورة.

أما تقي الدين، فكان يمشي في هذه الساعات على حافة الدعاء الكامل؛ لا يرفع صوته به، لكن من ينظر إلى عينيه يعرف أن قلبه لا ينقطع عنه.

وفي ساعة استراحةٍ قريبة من حدود الدخول إلى البوسنة، جلست صفية وحدها قليلًا تحت شجرة، وأخذت نفسًا طويلًا.

جاءها سعيد وجلس إلى جوارها.

قال:

— هل اشتد؟

قالت:

— ليس بعد… لكنه يقترب.

فسكت لحظة ثم قال:

— كنتِ تقولين إنك تشعرين أنها ستولد في البوسنة.

فابتسمت ابتسامةً متعبة وقالت:

— نعم… وكأنها تعرف بابها.

فقال:

— إذن لنسبق بها إلى الباب.

فنظرت إليه وقالت:

— أحيانًا أشعر أن هذه البنت تأتي على عتبة زمنٍ جديد، لا على عتبة بيت جديد فقط.

فقال:

— وهذا صحيح.

وكان في هذه الكلمات من الحقيقة أكثر مما يبدو.