هذه من أوجع الوصايا وأصدقها.
فالسلطة في هذه السلسلة لم تكن فكرةً بعيدة،
بل كانت خبزهم اليومي،
وقلقهم اليومي،
وابتلاءهم اليومي،
ولذلك يعرفونها أكثر من غيرهم.
يعرفون كيف تدخل على الرجل أولًا في صورة الواجب،
ثم تدخل عليه بعد حين في صورة الصورة،
ثم تبدأ تهمس له أنه هو الأصل،
وأن الدولة لا تقوم إلا به،
وأن الناس لا يعرفون مصالحهم إلا إذا رآها هو عنهم.
وهنا تبدأ السلطة في أكل القلب.
لكنَّ رجال هذا البيت —ومن ورائهم نساؤه— عرفوا كيف يقاومون هذا الأكل.
سعيد قاومه بالخوف من نفسه.
عبدالملك قاومه بأن أبقى الرحمة حيّة في قلب الملك.
عبدالله قاومه بأن حوّل الكارثة إلى عدل لا إلى نار.
أسد الإسلام قاومه بالتسليم.
وعمر قاومه بالخشوع.
ولهذا فإن وصيتهم لمن يأتي بعدهم ستكون واضحة:
إذا دخلتَ السلطة،
ففتش كل ليلة عن الموضع الذي بدأت تحب فيه صورتك أكثر من الحق.
فتش عن الجملة التي قلتها لأنك تريد أن تُرى، لا لأن الله يحبها.
فتش عن القرار الذي اتخذته لأن كبرياءك لا يحتمل غيره، لا لأن البلاد تحتاجه.
وإذا وجدت ذلك،
فخَف.
لا من الناس أولًا،
بل من نفسك.
فهذا الخوف هو آخر ما يحفظ الحكام من أن تبتلعهم مقاعدهم.