لم تنتهِ الحكاية يوم أُغلقت أبواب الحكم الأخيرة،
ولا يوم هدأت الأيدي عن السيوف،
ولا يوم خفَّت الخيول في الميادين،
ولا حتى يوم صار الذين حملوا الدولة تحت التراب أكثر ممن يمشون فوقه.
فبعض الحكايات إذا انتهت في ظاهرها بدأت في موضعٍ آخر.
وهكذا كان أمر هذا البيت.
لقد خرج من التاريخ السياسي حين انتهت دوائره الكبرى،
لكنه دخل التاريخ الوجداني للناس.
دخل البيوت،
والمساجد،
والطرقات،
وحكايات الجدات،
ومجالس الرجال حين يتكلمون عن الوفاء،
ودعوات الأمهات حين يخفن على بناتهن من الظلم،
وأحلام الصغار حين يسمعون عن فرسٍ عابرٍ أو رايةٍ قديمة أو امرأةٍ عظيمة لم يمنعها ألمها أن تكون نورًا لمن حولها.
صار الاسم مأوى.
إذا ضاقت امرأةٌ بظلمٍ أصابها، قيل لها:
تذكري صفية.
لا لأن صفية سحرت الألم حتى اختفى،
بل لأنها مشت فيه حتى خرجت منه أوسع منه.
وإذا خاف رجلٌ أن تفسده السلطة، قيل له:
تذكر سعيدًا وعبدالملك.
لا لأنهما لم يخطئا أو لم يتعبا،
بل لأن خوفهما من الله بقي أكبر من حبهما لصورة نفسيهما.
وإذا احترق قلب رجلٍ بدمٍ أو فقدٍ أو خيانة، قيل له:
تذكر عبدالله.
لا لأن الجرح فيه لم يشتعل،
بل لأنه اشتعل ثم لم يحرق البلاد معه.
وإذا ظن الناس أن المجد يفسد لا محالة، قيل لهم:
تذكروا أسد الإسلام.
وإذا ظنوا أن الخواتيم لا تأتي إلا باردة أو مكسورة، قيل لهم:
تذكروا عمرًا.
وهكذا لم يعد الاسم اسم أشخاصٍ فقط،
بل صار مأوى للمعاني.