باب من الرواية

الباب الثامن: ولادة محمد ومريم… دخول التوأمية إلى قلب البيت

الفصل الثاني والعشرون — بيتُ بخارستان يمتلئ بالأبناء

جاءت ولادة التوأم بعد حملٍ مرهق، وكانت الليلة أشد من سابقتيها.

فالرحم هذه المرة كان يفتح بابين في وقتٍ واحد، والجسد كله يعرف أن الخروج مضاعف، وأن التعب لن يكون عابرًا.

وكان البيت كله في تلك الساعات متيقظًا بطريقةٍ مختلفة.

ليس لأنهم يخافون فقط، بل لأنهم صاروا يعرفون صفية أكثر، ويعرفون كيف يُنصتون لآلامها، ويعرفون أنها وإن كانت قوية، فإن القوة إذا كثرت عليها الأثقال احتاجت إلى من يسندها بالعين والدعاء والصمت.

خرج الطفل الأول، ثم تبعه الثاني، وجاء الخبر كما تأتي الأخبار التي تجعل البيت كله يضحك في الوقت نفسه:

ولدٌ وبنت.

واختير للاسمين محمد ومريم، فصار في البيت من يومها شيءٌ من جمال التوازن:

ذكرٌ وأنثى،

حركةٌ ونعومة،

اسمُ نبيٍّ، واسمُ امرأةٍ طاهرة،

وكأن الرواية أرادت أن تجعل البيت بعد الثنائية الأولى في العدد يدخل الثنائية في المعنى أيضًا.

وحين حُملا إلى صفية، بكت هذه المرة بكاءً مختلفًا.

لم يكن بكاء الجبر الأول كما كان مع عبدالملك، ولا بكاء التثبيت كما كان مع أحمد، بل بكاء من أحسّت أن الرحمة تتكاثر حولها إلى حدٍّ يكاد يرهقها من جماله.

قالت لمريم أمها وهي تحدق في الطفلين:

— كيف يمكن للقلب أن يتسع هكذا؟

فقالت مريم:

— لأنه ليس قلبك وحدك… الله هو الذي يوسعه.

وقالت فاطمة أم سعيد:

— والآن سيصير البيت بيت أربعة أطفال.

فقال سعيد من عند الباب:

— بل بيت أربعة أبواب للجنون الجميل.

فضحك الجميع، حتى صفية وهي مرهقة.

ولما عادوا بهم إلى البيت، كان المشهد جديدًا تمامًا:

عبدالملك يركض في الساحة،

وأحمد يتعثر خلفه،

ومحمد ومريم في القماطين،

وصفية بين الرضاعة والتهدئة والنوم القصير،

ومريم وفاطمة تتناوبان معها،

وسعيد وتقي الدين يخرجان إلى الأرض ثم يعودان وفي صدريهما شوقٌ إلى الداخل لا يعترفان به كثيرًا.

ودخلت التوأمية البيت لا كزيادة عددية فحسب، بل كتجربةٍ تربوية جديدة.

صار على صفية أن تفهم أن الأطفال لا يطلبون الطعام وحده، بل يطلب كل واحدٍ أن يُرى.

وصار على البيت كله أن يتعلم التوزيع الدقيق للرحمة.

وكان هذا في ذاته مدرسةً أولى في العدل.