ثم جاء الدور على حملٍ آخر، لكنه كان مختلفًا في استقبال البيت له من البداية.
فقد صار في البيت من الفتيان ما جعل النساء —وخاصة مريم وفاطمة— يتمنين أن يرزق الله صفية ببنتٍ تُدخل إلى المجلس شيئًا آخر من الجمال والسكينة والنعومة.
وحين ثبت الحمل، كانت صفية أقل خوفًا من كل مرة، لكنها أكثر تعبًا من مجموع ما سبقها.
فالعمر يمضي، والأطفال حولها يكثرون، والبيت يتسع، والمزرعة تحتاج حضورًا، وسعيد وتقي الدين قد بدآ من وقتٍ إلى آخر يخرجان بالأكبر سنًا نحو الجبال والسهل أكثر، فصارت مسؤوليتهما التربوية تكبر، وصارت مسئولياتها الداخلية تتشعب.
وفي منتصف هذا الحمل، ظهرت العلامات التي توحي من جديد بأن في الرحم اثنين لا واحدًا.
فضحك سعيد حين علم وقال:
— يبدو أن التوأمية أحبت بيتنا.
وقالت صفية في مزاحٍ فيه تعب:
— أو يبدو أن البيت لا يكتفي بالقليل.
ثم جاءت البشرى الأجمل للنساء:
التوأم بنتان.
وكان هذا الخبر قد أضاء المجلس من الداخل حتى قبل الولادة.
قالت فاطمة أم سعيد:
— ليكن في هذا البيت من يملؤه بزينتهن كما ملأه الصبيان بضجيجهم.
وقالت مريم وهي تبتسم:
— البنات رحمةٌ مخصوصة.
واختير للاسمين خديجة وعائشة قبل الولادة بوقتٍ طويل، حتى كأن الاسمين كانا يمشيان في البيت قبل أن تأتي صاحبتهما.
وكانت صفية كلما لمست بطنها، تخيلت بنتين صغيرتين تمشيان يومًا بين إخوتهم في ساحة المزرعة، وتدخلان المسجد مع الجدات، وتجلسان عند أمّهما تتعلمان منها ما لا يتعلمه الرجال.
وجاءت الولادة، وجاءت البنتان، وامتلأ البيت بنوعٍ جديد من الفرح.
ليس لأن البنات خيرٌ من البنين، بل لأن التوازن إذا دخل إلى البيوت أعطاها جمالًا آخر.
صار في البيت الآن من يتكلمون عن الخيول والسهل والجبل، ومن ستجلس لهنّ صفية يومًا لتعلمهن الحياء والقوة والقرآن وحسن التدبير.
وصرن خديجة وعائشة منذ أول أيامهما تحظيان بعناية خاصة من الجدة مريم، التي كانت تقول وهي تحملهما:
— البنات نصف البيت إذا أحسنّ القيام، بل أكثر.
أما سعيد، فكان ينظر إليهما في شيءٍ من الحذر الجميل الذي يعرفه الآباء مع البنات لأول مرة.
فقالت له صفية يوم رأته يحمل خديجة على غير اطمئنان:
— ما بالك تمسكها كأنها زجاج؟
فقال:
— لأنها أخف من أن أصدق أنها بشر.
فضحكت وقالت:
— ستكبران وتتعبانك أكثر من إخوتهم.
فقال:
— لا بأس… يبدو أن الله أراد أن يكسر شدتي بشيءٍ آخر.
وهكذا دخلت البنات إلى الرواية، لا كزينةٍ جانبية، بل كجزءٍ أصيل من السلالة التي ستكبر على المعنى نفسه.