وبينما كان البيت يمتلئ بهذا كله:
صغارًا في الساحة،
وأصواتًا عند الفجر،
وخطواتٍ نحو الجبال،
ومجالسَ علمٍ ودعاء،
وأمًّا تتنقل بين حضنٍ وحضن،
وأبًا وجدًا يريان في كل طفلٍ مشروع مستقبل—
جاء الحمل الأخير في بخارستان، الحمل الذي سيغلق هذه الصفحة ويفتح الصفحة التالية في وقتٍ واحد.
ثبت حمل فاطمة، لكنها لم تُولد في بخارستان.
وكان لخبر الحمل هذه المرة وقعٌ مختلف.
لم يعد البيت ينظر إليه بوصفه مجرد زيادة في العدد، بل كأنما أحس الجميع أن هذا الحمل يأتي على عتبة انتقالٍ أكبر.
فالأولاد كثروا، والمزرعة نضجت، والبيت اشتدّ، والمجلس لم يعد يضيق بالناس، وسعيد وتقي الدين أخذا يتكلمان أكثر فأكثر عن الأفق الأوسع، عن الأرض التي يمكن أن تُقام فيها سلالةٌ أكبر، عن البوسنة التي ستشهد الفصل التالي من العمر.
قالت صفية لسعيد في إحدى الليالي، وهي تلمس بطنها وقد بدأت تعرف هذه الأحاسيس معرفة الخبيرة:
— أشعر أن هذا الحمل يأتي ومعه سفر.
فقال:
— ولِمَ تقولين هذا؟
قالت:
— لا أدري… لكن قلبي لا يشعر أنني سأضعه هنا.
فسكت سعيد قليلًا، لأنه هو أيضًا كان يسمع في المجالس حديثًا يتكرر عن الرحيل الكبير القادم.
ثم قال:
— أينما وُلد، فسيولد وبيته قائم.
فقالت:
— نعم… وهذا يكفي.
أما مريم، فقد كانت تشعر أن ابنتها تقف الآن عند طرف مرحلةٍ كاملة.
فقالت لها يومًا وهي تمشط شعر خديجة الصغيرة وتراقب الباقين من بعيد:
— يا ابنتي، حين وصلتكُ أول مرة عند الباب، لم أكن أتصور أنني سأجلس يومًا وأرى من حولك هذا الجمع كله.
ثم نظرت إلى الساحة:
عبدالملك،
وأحمد،
ومحمد،
ومريم،
وعبدالله،
وخديجة،
وعائشة،
والحمل الجديد في الطريق.
وقالت:
— صار البيت قصيدةً تمشي.
فابتسمت صفية، لكنها لم تجب فورًا.
كانت تنظر إلى أولادها كما تنظر المرأة إلى شجرةٍ لم تكن يومًا تظن أنها ستثمر هذا العدد من الأغصان.
ثم قالت أخيرًا:
— وكل غصنٍ منهم يحتاج سقيًا مختلفًا.
فقالت مريم:
— وأنتِ لها.