مرّ الحمل الثاني على صفية بأهدأ مما مرّ الأول، لكنها كانت أكثر خبرةً هذه المرة، وأشد إدراكًا لتفاصيل جسدها وتقلباته.
وكانت المزرعة نفسها قد صارت أكثر جاهزية، والبيت أكثر اكتمالًا، والمسجد أكثر حضورًا في الأيام، حتى بدا أن الولادة الثانية لن تأتي إلى فراغٍ ينتظر أن يُملأ، بل إلى بيتٍ جاهزٍ لاستقبال معنى الأخوّة.
وقبل الولادة بأسابيع، صار عبدالملك —وقد اشتدّ قليلًا— يتحرك في الساحة على قدميه المتعثرَتين، فيسقط ويقوم، ويضحك إذا حمله سعيد على كتفيه، ويصفق إذا سمع صوت الماء، ويهدأ فورًا إذا ضمته صفية إلى صدرها.
وكانت تنظر إليه وتفكر أحيانًا:
كيف سيستقبل وجودَ طفلٍ آخر؟
ثم تبتسم من نفسها، كأنها تقول:
وكأنه يملك الآن من الدنيا أكثر مما يشاركه فيه أحد.
وجاءت ولادة أحمد في بخارستان، في ليلةٍ لم تكن قاسيةً كليلة عبدالملك، لكنها لم تخلُ من مشقة.
وكانت صفية، في أثناء المخاض، أقل خوفًا من المجهول، لكنها أكثر وعيًا بما ينتظرها بعده.
فالأم في ولادتها الثانية لا تخوض فقط معركة الخروج بالحياة، بل تفكر أيضًا في الطفل الذي تركته خلفها نائمًا في البيت، وفي كيفية عودتها وهي تحمل أخاه.
خرج أحمد إلى الدنيا بصوتٍ أعلى من صوت عبدالملك، حتى قالت فاطمة أم سعيد مازحةً وهي تتأمله:
— هذا سيعلن عن نفسه حيثما دخل.
وقال تقي الدين، وقد أخذه بين يديه بعد الأذان في أذنه:
— لعل فيه حدةَ الرجال الصغار.
أما سعيد فكان يبتسم وهو يقول:
— المهم أن يكون فيه من أمه قلب.
واختير له اسم أحمد، كأن البيت أراد بعد اسم الملك أن ينتقل إلى اسم الحمد.
وكان في هذا تناسبٌ داخلي جميل:
عبدالملك جاء بعد انكسارٍ طويل بوصفه أول البرهان،
وأحمد جاء بعده بوصفه تثبيتًا للحمد الذي استقر.
ولما عادت صفية به إلى البيت، كانت اللحظة الأجمل ليست لحظة استقبال الكبار، بل لحظة اقتراب عبدالملك الصغير من القماط.
وقف ينظر إلى وجه أخيه بانتباهٍ شديد، ثم مدّ أصبعه الصغيرة إلى وجنته، فلما تحرك أحمد قليلًا تراجع عبدالملك إلى الخلف في دهشة، فضحك المجلس كله.
ثم حمله سعيد وقال له:
— هذا أخوك.
ولم يفهم الطفل العبارة كاملة بالطبع، لكنه ظل ينظر إلى وجه الصغير الآخر كما ينظر أحدهم إلى سرٍّ جديد نزل في البيت.
ومن يومها، دخلت الأسرة طورًا جديدًا:
لم يعد البيت بيت أبٍ وأمّ وطفل،
بل بيت أخوين،
والأخوّة بابٌ آخر من أبواب التربية، لأن الطفل لا يعرف نفسه كاملًا إلا إذا اصطدم قلبه بقلبٍ يشبهه ويختلف عنه في البيت نفسه.