باب من الرواية

الباب السابع: حمل التوأم محمد ومريم… حين دخل البيت معنى الازدواج والامتحان المضاعف

الفصل الثاني والعشرون — بيتُ بخارستان يمتلئ بالأبناء

لم يكن قد مضى وقت طويل على استقرار أحمد في حضن البيت حتى بدأت علامات حملٍ جديد تظهر على صفية.

ولم تكن قد تتوقعه بهذه السرعة، لكنها حين علمت به لم تفزع كما قد تظن النساء اللواتي لا يعرفن معنى هذا البيت.

كان في داخلها تعب، نعم، وسؤال عن الكيفية التي ستحتمل بها هذا كله، لكن في داخلها أيضًا يقينٌ بأن الأرحام إذا كتب الله لها أن تكون بابًا لسلالةٍ لها أثر، لم تمشِ على إيقاع الراحة دائمًا.

ثبت الحمل، ومضت أشهره الأولى، ثم ظهر من المتابعة وما تقوله خبرة النساء والأطباء أن في الرحم اثنين لا واحدًا.

وكان الخبر مفاجئًا حتى للبيت الذي اعتاد الفرح.

قال سعيد أول ما علم:

— اثنان؟

وقالها بالطريقة التي تجمع بين الذهول والضحك معًا.

فضحكت صفية على رغم تعبها وقالت:

— كأنك تخاف أن تكون المقادير أسرع منك.

فقال:

— أنا لا أخاف… أنا فقط أحسب عدد الأيدي التي سنحتاجها.

أما مريم فوضعت يدها على كتف ابنتها وقالت:

— سيعينك الله.

وقالت فاطمة أم سعيد:

— البيت الذي ربّى اثنين يربي أربعة.

فقالت صفية في مزاحٍ متعب:

— أنتنّ تقلن هذا لأنكنّ لا تسهرن بدلًا عني كل الليل.

فقالت فاطمة:

— ومن قال لكِ إننا سنترككِ وحدك؟

وكان حمل التوأم مختلفًا من أوله.

أثقل، وأشد على الجسد، وأقرب إلى استنزاف قواها.

وكانت صفية أحيانًا تجلس بعد العصر وقد شعرت أن جسدها لم يعد لها وحدها، بل صار سفينةً تحمل أرواحًا أكثر من طاقتها الظاهرة.

وفي مثل تلك الساعات، كانت تخرج إلى طرف الساحة، وتجلس حيث ترى الجبال البعيدة، لأن النظر إلى الاتساع كان يخفف عنها ضيق البدن.

وفي ليلةٍ جلست كذلك، وجاء سعيد فجلس قربها، ثم قال:

— فيمِ تنظرين؟

قالت:

— إلى الجبال.

قال:

— ولماذا؟

قالت:

— لأنها ثابتة.

ثم سكتت قليلًا وأضافت:

— أشعر أنني هذه المرة لستُ أمًّا فقط… أشعر أنني معبر.

ففهم عمق تعبها، وقال:

— المعابر القوية هي التي توصل القوافل.

فقالت:

— وأحيانًا تنهكها الخطوات.

فأخذ يدها وقال:

— ولذلك لا تعبر وحدها.

وفي أثناء هذا الحمل، صار عبدالملك وأحمد طفلين في البيت، لكل واحدٍ صوته وطلبه وساعته، وزادت مشقة صفية، لكنها زادت معها أيضًا خبرتها.

كانت تعرف متى ترفع صوتها ومتى تخفضه، متى تضم ومتى تترك، متى تستعين بالأمّين ومتى تُبقي الأولاد عندها لتعلمهم الألفة.

وكان تقي الدين ينظر إليها أحيانًا فيقول في سرّه:

هذه المرأة لم تعد فقط ابنتي التي رُدّت إليّ… إنها الآن عمود بيت.