وهنا بدأت على صفية مرحلةٌ جديدة لم تكن الأمومة الأولى قد علمتها كل شيءٍ عنها:
مرحلة توزيع القلب بين طفلين.
ولم يكن الأمر يسيرًا في الأيام الأولى.
أحمد يحتاج الرضاعة والسهر واللصوق الطويل،
وعبدالملك يحتاج إلى أن لا يشعر أنه صار بعد ولادة أخيه أقل مكانةً في حضن أمه.
وكانت هذه من اللحظات التي تظهر فيها خبرة النساء الكبيرات.
قالت لها فاطمة أم سعيد:
— إذا أرضعتِ الصغير، فلا تتركي الكبير واقفًا ينظر فقط. أجلسيه عند كتفك أو تحت يدك.
وقالت مريم:
— وامنحي عبدالملك مهمةً، ولو كانت صغيرة. قولي له: أنت تحفظ أخاك، أو: أنت تنظر إليه. الطفل يحب أن يُعطى دورًا.
أخذت صفية بالنصيحتين.
فصارت إذا أرضعت أحمد، أجلسَت عبدالملك قريبًا منها، تمسح على شعره بيدٍ، وتربت على الرضيع بالأخرى.
وكان مشهدها هكذا من أبلغ مشاهد البيت:
امرأةٌ ما تزال فتية، تحمل طفلًا على صدرها، وتضم بيدها الأخرى طفلًا أكبر بقليل، وتدير من بين هذين الجسدين الصغيرين بيتًا، وذكرًا، وصلاةً، وضحكًا، وانتظارًا لحملٍ ثالث ربما يأتي، من غير أن تسقط.
وفي مرةٍ دخل عليها سعيد فرآها على هذه الحال، فقال مبتسمًا:
— أظن أنكِ تحتاجين إلى أربع أيدٍ لا اثنتين.
فقالت وهي ترفع حاجبها في تعبٍ لطيف:
— وأين الرجل الذي يعدني كل ليلةٍ أن البيت لا يضيق بأهله؟
فضحك وقال:
— حاضر.
ثم أخذ عبدالملك إلى الخارج ومشى به في السهل، وترك لها ساعةً هادئة مع أحمد.
لكن الساعة الهادئة في بيوت الأطفال لا تدوم طويلًا.
فما هي إلا دقائق حتى سُمع صوت عبدالملك يبكي في الخارج لأنه رفض أن يعود قبل أن يرى الحصان مرةً أخرى، فعاد سعيد به وهو يقول:
— أظن أن ابننا الأول يحب العناد.
فقالت صفية:
— ليس عنادًا… بل بدأ يرى الأشياء ويريدها كلها.
فقال سعيد:
— إذن فلنُعلّمه من الآن أن ليس كل ما يُرى يُؤخذ.
وقالت:
— اتركوا لي الحنان واتركوا لأنفسكم المواعظ.
فقال تقي الدين من خلفهم، وقد دخل في آخر الجملة:
— بل البيت يحتاج الاثنين معًا.
وكان محقًا.
فبهذا التوازن بدأت تربية بخارستان تشتد:
حنانٌ لا يُفسد،
وشدةٌ لا تُقسي،
ومعنىً دائم وراء كل حركة.