حين عادت صفية إلى بخارستان بعد ولادة عبدالملك، لم تكن عودتها كخروجها منها إلى المدينة.
لقد خرجت وهي امرأةٌ تحمل في رحمها وعدًا، وعادت وهي أمٌّ تحمل بين ذراعيها تصديق ذلك الوعد.
وكان الفرق بين الحالتين عظيمًا؛ لأن المرأة الحامل تمشي ومعها رجاء، أما المرأة التي وضعت ولدها فتمشي ومعها حقيقةٌ لها وزنٌ وصوتٌ ورائحةُ حليب ودفءُ جسد.
كان الطريق إلى المزرعة في تلك العودة ألين على القلب مما كان في المرة الأولى.
فكل معلمٍ مرّوا به قبل أشهر صار الآن أشد ألفة، وكل شجرةٍ كانت تستقبلهم هذه المرة كأنها تعرف من في القماط الأبيض الصغير.
وكان سعيد يقود الرحلة بعينين مختلفتين.
لم يعد زوجًا يحيط بزوجته فقط، بل صار أبًا يراقب الطريق بعينٍ ثالثة، عينٍ تحسب الاهتزازات، وتنتبه للهواء، وتستمع إلى تنفس الرضيع بين حينٍ وآخر وكأن العالم كله بات متعلقًا بذلك النفس الصغير.
أما صفية، فكانت طوال الطريق تضم عبدالملك إلى صدرها كلما خفّ السير أو اشتد، وتكشف طرف وجهه من حينٍ إلى حين لتتأكد أنه نائم في هدوء.
وكانت كلما نظرت إليه، تذكرت المدينة، والطلق، والليل الطويل، ثم تشعر أن تلك الآلام كلها قد ذابت في هذه الملامح الصغيرة التي ما تزال بين الغفوة والصحو.
ولما أشرفت العربة على المزرعة، كان يونس الحارس العجوز أول من لمحهم.
ترك ما في يده، ومشى على عجلته الصغيرة المعروفة، ثم وقف عند الباب الخشبي الذي اكتمل نصبه حديثًا، ورفع يديه إلى السماء وهو يبتسم بلا أسنانٍ تقريبًا وقال:
— الحمد لله… عاد البيت ومعه صوته.
ضحك سعيد، وقال:
— بل عاد البيت ومعه سيده الصغير.
فتلقف يونس العبارة وقال:
— لا تقل سيده الصغير يا سيدي، بل أول فرسانه.
وكان تقي الدين قد خرج وراءه، وفي وجهه تلك الهيبة التي لا تمنع الفرح، بل تزيده وقارًا.
تقدم إلى صفية أولًا، وقبّل رأسها، ثم نظر إلى القماط الأبيض كأنما ينظر إلى سطرٍ جديد أضيف إلى كتابٍ كان ينتظره منذ سنين.
ثم مدّ يديه إلى حفيده، وأخذه بحذرٍ يشبه خشية من يحمل شيئًا أكرم من أن يُمسَّ على عجل.
وتأمله طويلًا، ثم قال:
— هذا أول الغرس الذي سيثبت في الأرض.
فقالت مريم، وقد خرجت خلفه وعيناها مشرقتان:
— بل هذا أول الجبر الذي صار يُنادى باسمه.
ولم تكن الكلمات يومئذٍ مجرد عبارات تهنئة، بل كانت أشبه بأحكامٍ تُكتب على صدر الزمن.
وفي تلك الليلة، لم ينم البيت باكرًا.
كانت مريم تجلس قرب صفية وتراقب كيفية حملها له، وفاطمة أم سعيد تصحح لها بعض تفاصيل الرضاعة والنوم ولفِّ القماط، وآية بنت عماد الدين تقف قرب النافذة وتراقب المشهد بابتسامةٍ مشبعةٍ بالحنان.
أما الرجال، فكانوا يمرون بالمجلس بحجةٍ أو بغير حجة، وكلما دخل أحدهم قال:
— هل استيقظ؟
أو:
— هل فتح عينيه؟
أو:
— أيمكنني أن أحمله قليلًا؟
وكان هذا من لطف الله أيضًا:
أن البيت الذي عرف سنوات الانتظار والحرمان، صار الآن يتنافس على حمل رضيع.