الفصل العشرون

الفصل العشرون — العودة إلى المدينة قبل الولادة

حين عادت صفية إلى الموضع الذي خرجت منه مسروقةً، لا رضيعةً هذه المرة، بل أمًّا تحمل أول الوعد

الباب الأول: القرار الذي نزل على البيت كأنه تمام حلقةٍ كتبها الله من قبل أن يفهمها الناس

لم يأتِ قرار العودة إلى المدينة فجأةً على هيئة رأيٍ عمليٍّ بارد، كأن أحدهم قال: هناك أطباء أفضل، أو جوٌّ أنسب، أو مكانٌ أصلح للولادة فحسب.

بل جاء من موضعٍ أعمق، من ذلك المكان الخفي الذي تتلاقى فيه الأقدار مع المعاني، فيشعر الإنسان أن بعض الأسفار لا يختارها وحده، بل يُقاد إليها ليشهد تمامَ شيءٍ بدأ قديمًا ولم يكتمل إلا الآن.

كانت صفية قد دخلت أشهر الحمل الأولى وهي ما تزال معلقةً بين الأرضين: أرض بخارستان التي ردّت إليها أهلها، وأرض المزرعة التي بدأ فيها بيتها ومسجدها ونواة عائلتها، وأرض المدينة التي ظلت في قلبها موضعًا لا تستقر صورته؛ تارةً يطلع في الذاكرة مثل بابٍ من نور، وتارةً يمرّ في النفس على هيئة وجعٍ قديم لا اسم له.

وكان الحمل يجعل الروح أرهف من المعتاد، حتى لكأن المرأة وهي تحمل ولدها الأول لا تحمل جسدًا جديدًا وحسب، بل تحمل معها تاريخها كله إلى مرحلةٍ أخرى.

في مساءٍ هادئ بعد صلاة العشاء، اجتمع أهل البيت في المجلس الكبير.

كان تقي الدين جالسًا في مكانه المعتاد، ومريم إلى جواره، وفاطمة أم سعيد قريبة منهما، أما سعيد فكان قد عاد من المزرعة وقد علق في ثوبه غبار العمل ورائحة الخشب الحديث.

جلست صفية، وكان في وجهها ذلك الهدوء الذي يسبق الكلام الكبير.

نظر تقي الدين إلى الجميع ثم قال:

— فكرتُ في أمرٍ أراه صوابًا، وأحب أن نسمعه جميعًا.

ثم التفت إلى صفية أولًا، كأنه لا يريد أن يتكلم في شأنها وهي حاضرة إلا بعينٍ تشعرها أنها أصل الرأي لا موضوعه فقط.

وقال:

— أرى أن تعودي إلى المدينة حتى تضعي حملك هناك.

ساد المجلس صمتٌ قصير، لكنه لم يكن صمتَ اعتراض، بل صمتَ معنى هبط فجأةً على القلوب.

لأن المدينة لم تكن عندهم اسمًا جغرافيًا مجردًا.

كانت موضع البداية الأولى، وموضع الجرح الأول، وموضع الاسم الذي وُلد ثم سُرق.

رفعت صفية عينيها إلى أبيها، ولم تتكلم فورًا.

أما مريم، فقد تنفست ببطءٍ عميق كما لو أن خبرًا قديمًا نهض في صدرها دفعةً واحدة.

وقالت فاطمة أم سعيد، وهي أول من كسر الصمت:

— والله إنها لفكرةٌ يدخلها المعنى قبل المصلحة.

فقال سعيد بهدوء:

— وأنا منذ أيام أشعر أن هذا الحمل يريد المدينة.

ابتسم تقي الدين ابتسامةً خفيفة وقال:

— إذن لم أكن وحدي.

ثم أكمل، ونبرته تميل إلى تلك الجدية التي إذا خرجت من الرجال الصادقين شعرت أنها ليست أمرًا، بل شهادة:

— دخلتُ المدينة يومًا مع أمكِ يا صفية وهي تحملكِ، وخرجتُ منها وأنا أجرّ في صدري شكًّا لا قبر له. واليوم، أرى أن تعودي إليها لا لتُؤخذي منها، بل لتُعطيها. لا رضيعةً تُسرق من صدر أمها، بل أمًّا تحمل ولدها الأول واسمها في يدها.

هنا لم تستطع صفية أن تمنع دمعتها.

وضعت يدها على بطنها، وكأنها تستشير ذلك الكائن الخفي في داخلها، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

— أخافها… وأشتاق إليها… ولا أدري كيف يجتمع الشيئان.

فقالت مريم، وكان في صوتها ارتجاف الأم التي تعرف المكان وتعرف الجرح وتعرف المعجزة أيضًا:

— لأن المدينة في قلبك ليست مكانًا واحدًا. فيها ألم البداية، وفيها وعد الجبر.

وهكذا استقر القرار.

الباب الثاني: الأيام التي سبقت السفر، حين تعلقت صفية بالمزرعة كما تتعلق المرأة ببيتٍ تعرف أنها ستعود إليه مختلفة

منذ اللحظة التي استقر فيها قرار السفر، صار للمزرعة وجهٌ جديد في عين صفية.

لم تعد تراها بوصفها الموضع الذي بدأت فيه الحياة الجديدة فقط، بل بوصفها الشيء الذي ستتركه قليلًا لتعود إليه ومعها ولد.

وهذا وحده كفيل بأن يغير شكل المكان في القلب.

كانت تخرج كل صباح تقريبًا، تمشي على مهلٍ في أطراف الأرض، وتطيل الوقوف عند الجدار الذي ارتفع نصفه، وعند باب المسجد الصغير الذي صار يفتح ويغلق، وعند الأشجار التي استقبلتها أول مرة كأنها تعرفها من زمنٍ بعيد.

تمرّ يدها على جذع الشجرة كما تمرّ يد الأم على كتف طفلٍ نائم، وتكلم الأشياء في سرها كما تكلم النساءُ البيوتَ إذا خشين أن يطول الفراق قليلًا.

وفي إحدى تلك الصباحات، خرج معها سعيد وحدهما.

كانت الأرض نديةً بعد مطرٍ خفيفٍ مرّ ليلًا، والهواء يحمل رائحةَ ترابٍ مغسول، من تلك الرائحة التي لا تدخل الصدر إلا وأيقظت فيه رغبةً في البدء من جديد.

وقفت صفية عند موضع الساحة الداخلية التي لم يكتمل بلاطها بعد، ثم قالت:

— أشعر أنني سأترك جزءًا من قلبي هنا.

فقال سعيد وهو ينظر إلى ما حولهما:

— وتعودين لتجديه قد كبر.

قالت:

— أخاف أن أغيب عن البيت في أول عمره.

فقال:

— البيوت مثل الأولاد، لا يفسدها غيابٌ قصير إذا كانت الأساسات صادقة.

ثم سكت لحظة، وأردف بنبرةٍ أخف:

— ثم إنكِ لن تعودي وحدك.

فنظرت إليه، وظهر في عينيها ذلك الحياء الذي يزداد في النساء مع الأمومة بدل أن ينقص، وقالت:

— كلما قلتَ هذا شعرتُ أن العالم يتسع في بطني.

فضحك، وقال:

— لا تقوليها هكذا وإلا ظننتُ أنني أبالغ في الفرح.

وفي ذلك اليوم، مرّا على يونس حارس المزرعة، وكان جالسًا يصلح مقبضًا خشبيًا لأحد الأبواب الصغيرة.

فلما رآهما، نهض ومسح يديه في ثوبه، وقال:

— سمعت أن السيدة ستسافر إلى المدينة.

قالت صفية:

— نعم.

فأطرق العجوز قليلًا ثم قال:

— السفر الذي يحمل في آخره مولودًا ليس سفرًا، بل رجوعٌ بشيءٍ جديد من رحمة الله.

ثم نظر إلى المزرعة وقال:

— اطمئني، الأرض لا تنسى أصحابها.

فابتسمت صفية، وقالت:

— وأنت يا يونس، لا تنسَ أن تسقي شجرة الرمان هذه.

فقال وهو يبتسم بأسنانٍ قليلة لكنها صادقة:

— إن شاء الله أسقيها حتى تعرف ابنك حين يأتي.

وكانت هذه الجمل الصغيرة التي يطلقها الناس البسطاء تظل في قلب صفية أكثر مما تظل فيها الخطب الطويلة؛ لأنها كانت تشعر أن الله يرسل أحيانًا الطمأنينة على ألسنة من لا يتكلفونها.

وفي الليل، عادت إلى البيت، وقلبها أقل فزعًا من فكرة السفر.

بدأت تفهم أن المدينة ليست قطيعةً مع المزرعة، بل جسرٌ سيعيدها إليها وهي أم.

الباب الثالث: مريم بين فرحين وجرحين، والأم التي لا تعرف كيف تودع ابنتها إلى المكان الذي سرقها منها يومًا

أما مريم، فكان في قلبها من هذه العودة شيئان متضادان لا يتصارعان بقدر ما يتجاوران في وجعٍ عجيب:

فرحُ الأم التي ترى ابنتها ستضع ولدها الأول في مدينةٍ مباركةٍ قرب الحرم، ووجعُ الأم نفسها لأنها تعرف أن المدينة ليست مكانًا نقيًا من الذكريات.

فهي الموضع الذي ضمت فيه صفية يومين، ثم ضاع منها الخبر والرضيعة معًا.

وفي إحدى الليالي، دخلت صفية على أمها فوجدتها ترتب في صندوقٍ صغير بعض الأشياء التي أرادت أن تسافر معها.

كان الصندوق يحتوي على أقمشةٍ ناعمة، وزيتٍ طيب الرائحة، ومصحفٍ صغير، وخيوط حريرٍ بيض كانت مريم تحتفظ بها من زمن.

نظرت إليها صفية وقالت:

— ما هذا كله يا أمي؟

فقالت مريم وهي لا ترفع رأسها أول الأمر:

— هذه أشياء أرسلها معك… وبعضها كنتُ أعددته يومًا لكِ…

ثم سكتت.

عرفت صفية من السكتة ما لم تقله الجملة.

اقتربت منها وجلست إلى جوارها، وقالت بصوتٍ ناعم:

— أعددتِه لي أنا؟

فرفعت مريم رأسها، وكانت عينها مشبعةً بذلك البريق الذي يسبق البكاء عند النساء الصابرات.

قالت:

— نعم. يوم وُلدتِ… ثم بقي في قلبي لا في يدي. واليوم أخرجه لأرسله معك إلى ولدك.

وهنا ساد بينهما صمتٌ لو فُتح لخرج منه بحر.

ثم قالت صفية:

— يا أمي، أخاف عليكِ من هذه الرحلة أكثر مما أخافها على نفسي.

فقالت مريم:

— بل أنا أخاف على نفسي منها أيضًا.

ثم ابتسمت ابتسامةً شاحبةً حلوة وأضافت:

— لكنني تعبت من أن أبقى سجينة الوجع القديم. أريد أن أرى المدينة وهي تعطيك هذه المرة بدل أن تأخذ.

ثم مدت يدها إلى بطن صفية، ولمسته برفقٍ شديد كما لو أنها تتحسس في هذا الحمل اعتذارًا إلهيًا مؤجلًا.

وقالت همسًا:

— يا صغيري… لا تطل الغياب عن هذه الدنيا. لقد طال علينا الليل قبل مجيئك.

وفي مساءٍ آخر، جلست مريم مع فاطمة أم سعيد وحدهما.

وكان في المجلس هدوء النساء الكبيرات إذا خلون إلى بعضهن بلا حاجةٍ إلى المجاملة.

قالت فاطمة:

— أعرف ما في قلبك.

فقالت مريم:

— وهل يخفى؟

قالت:

— لا. لكنني أقول لكِ شيئًا واحدًا: لا تدعي المدينة تبقى في وجدانك موضعَ فقدٍ فقط. الله يغير معاني الأمكنة كما يغير معاني الأعمار.

فقالت مريم وهي تنظر إلى المصباح:

— أحيانًا أخشى أن أصل إلى الموضع نفسه، فتقوم في صدري الأمس كلّه.

فأجابتها فاطمة:

— دعيه يقوم. ثم دعي الوليد الجديد يطفئه.

وكانت هذه من الجمل التي لا تُحلُّ بها الأحزان، لكنها تفتح فيها نافذة.

الباب الرابع: تقي الدين… الرجل الذي رأى في الرحلة عدالةً لا تكفيها الكلمات

أما تقي الدين، فكان أكثرهم صمتًا في ظاهر الأمر، لكنه كان في الحقيقة أعمقهم اتصالًا بهذا السفر.

لم يكن يراه مجرد انتقالٍ لابنته وابنها القادم إلى موضع أنسب للولادة، بل كان يراه مشهدًا أخيرًا في فصلٍ قديم ظنه مفتوحًا إلى الأبد.

في ليلةٍ خرج فيها مع سعيد إلى طرف المزرعة، وكان القمر معلقًا فوق الأشجار على هيئة ضوءٍ هادئ لا يكشف إلا ما يريد، قال له وهو يمشي إلى جواره:

— يا سعيد، ثمة أسفارٌ يكون الإنسان فيها مجرد مسافر، وثمة أسفارٌ يكون فيها شاهدًا على قضاء الله. وهذه الرحلة من الثانية.

فقال سعيد:

— أعلم. ولهذا لم أجادل في الأمر مع أن قلبي معلق بالمزرعة.

فقال تقي الدين:

— وأنا أيضًا قلبي معلق بها. لكن المدينة تنادينا هذه المرة من جهةٍ أخرى.

ثم وقف قليلًا، وأخذ عودًا صغيرًا من الأرض وراح يقلبه بين أصابعه كما يفعل من يريد أن يثبت شيئًا في نفسه قبل أن يقوله.

وقال:

— يوم خرجتُ من المدينة قديمًا كان عندي يقينٌ لا يملك لسانًا. يقينٌ أن ابنتي لم تمت. عشت أعوامًا وأنا أحمل هذا الشيء وحدي، حتى كدت أحيانًا أخاف أن أكون ظلمت نفسي به. ثم جاء الله بها إليّ. أفتظن بعد هذا أنني سأدعها تلد بعيدًا عن الموضع الذي بدأ منه كل شيء؟

قال سعيد بعد صمتٍ احترم فيه ثقل الرجل:

— لا.

فقال تقي الدين:

— أريد أن أرى المدينة وهي تسلّم إلينا حفيدًا من ابنتها التي زعمت يومًا أنها دفنتها.

وكانت الجملة ثقيلةً في الليل حتى لكأن الأشجار نفسها سمعتها.

ثم قال تقي الدين بعد لحظةٍ أخف:

— وأريد لولدها الأول أن يحمل من بركة المدينة ما يعينه على ما هو قادم.

فقال سعيد:

— كأنك ترى له شأنًا من الآن.

فأجاب تقي الدين:

— أنا لا أدعي الغيب، لكن بعض الأطفال يمرّ ظله قبل أن يولد.

ابتسم سعيد لهذه العبارة، ثم قال:

— واسمُه؟

فقال تقي الدين، وقد نظر إلى البعيد:

— الاسم يليق أن يكون كبيرًا.

ثم التفت إليه وأضاف:

— سمعت صفية مرةً تذكر “عبدالملك”.

قال سعيد:

— وأنا سكن قلبي إلى هذا الاسم.

هنا هزّ تقي الدين رأسه ببطءٍ كأنه يضع الخاتم على جملةٍ لم تعلن بعد، وقال:

— إذن لعله هو.

وهكذا دخل الاسم إلى ليل الرجال قبل أن يخرج رسميًا في مجلس النساء.

وهذا من طبيعة الروايات الكبيرة: أن بعض الأسماء تولد أولًا في الصمت.

الباب الخامس: توديع البيت والمسجد، والحوار الذي دار بين صفية والجدار نصف المبني

وقبل السفر بيومين، أرادت صفية أن تخرج وحدها قليلًا إلى البيت الجديد.

لم تمنعها مريم، مع أن الحمل كان قد بدأ يظهر أكثر، لأن الأمهات أحيانًا يفهمن أن بعض المشاوير لا يُسعف فيها المنع، بل تكون جزءًا من تهدئة القلب.

دخلت الساحة الداخلية، وكانت رائحة الجصّ الجديد مختلطةً بخشب الأبواب.

وقفت في وسط المكان، وأدارت نظرها في الغرف التي لم تكتمل مفارشها ولا زينتها، لكنها اكتملت في خيالها منذ وقت.

ثم مشت إلى المسجد الصغير، فتوضأت من ماءٍ جُلب قريبًا، ودخلت فصلت ركعتين طويلتين.

وحين فرغت، لم تقم فورًا.

جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الجدار، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت همسًا كأنها تكلم الطفل والبيت في آن:

— اسمع يا صغيري… هذا بيتك قبل أن تراه، وهذا مسجدك قبل أن تخطو إليه، وهذه الأرض التي ستجري عليها يومًا. لا تنسها إذا كبرت.

ولم يكن في المشهد أحد، لكنها شعرت أن الجدران تحفظ، وأن البيوت إذا خوطبت بمثل هذا الصدق، بقي فيه من الكلام شيء.

ثم قامت، ومشت إلى الغرفة التي اتفقت مع سعيد أن تكون لهما.

وقفت عند النافذة، ونظرت إلى السهل، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ فيه شيءٌ من المزاح الحزين:

— لا تغضبوا مني إن غبت قليلًا.

وكان الخطاب موجّهًا إلى الغرف، وإلى الأشجار، وإلى الباب، وإلى الموضع كله.

وفي أثناء خروجها، لقيت آية بنت عماد الدين، وكانت قد جاءت تحمل لها قطعة قماشٍ ناعمة.

فقالت آية وهي تبتسم:

— وجدتكِ تكلمين البيت وحدك.

فاحمرّ وجه صفية قليلًا، وقالت:

— هل سمعتِ؟

فقالت آية:

— لا. لكنني لو كنتُ بيتًا وبُنيتُ لكِ بعد كل هذا العمر، لغضبتُ إن لم تكلميني.

فضحكت صفية، وكانت من الضحكات النادرة التي تخفف عن المرأة ثقل الأشهر الأولى، ثم قالت:

— يبدو أنكِ تفقهين في البيوت أكثر من البنّائين.

فقالت آية:

— البيوت لا تفهمها المطارق وحدها، بل القلوب أيضًا.

ثم أعطتها القماش وقالت:

— هذا لصغيرك… خيطته لكِ البارحة.

أخذته صفية، وتأملت نعومته، وشعرت أن الأمومة بدأت تأتيها من كل جهة: من أمها، ومن أم سعيد، ومن أختها، ومن البيت، ومن الرحلة نفسها.

الباب السادس: الطريق إلى المدينة، والسفر الذي لم يكن كالسفر الأول في شيء

حين جاء يوم الرحيل، لم يكن في البيت ذلك الحزن الثقيل الذي يشيع عند سفر من يُخشى عليه، بل كان فيه وقارُ الرحلات التي يعرف الناس أنها جزءٌ من الخير وإن خالطتها رجفة.

ودّعوا المزرعة، وودّع يونس البستاني صفية بدعوةٍ طويلة، ووقف تقي الدين بنفسه على تفاصيل السفر كعادته، لا لأنه يشك في قدرة سعيد، بل لأن الآباء إذا أحبوا أفرطوا في خدمة التفاصيل.

ركبت صفية، وجلس سعيد إلى جوارها، ومريم تنظر من الباب حتى ابتعدت العربة عن المزرعة.

ولمّا خرجوا من أطراف بخارستان، شعرت صفية أن جسدها كله يصغي.

فالسفر إلى المدينة هذه المرة لم يكن شبيهًا بالسفر إلى بخارستان ولا بأي انتقالٍ آخر؛ لأنه سفرٌ إلى موضعٍ يحمل لها أكثر من وجه.

قال لها سعيد في أول الطريق:

— كيف قلبكِ الآن؟

قالت:

— كأنه طائر يعرف عشه ويخافه في الوقت نفسه.

قال:

— وهل يعود الطائر إلى عشه لأنه مطمئن دائمًا، أم لأنه يعرف أن له فيه شيئًا؟

فقالت:

— بل لأنه يعرف.

فقال:

— هذا يكفي.

مرّا في الطريق بمحطاتٍ وسهول، وتبدلت البلاد كما تتبدل الصفحات، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا في صدرها:

أنها تقترب من الموضع الذي وُلدت فيه يومًا ثم غابت عنه، وستدخل إليه الآن من بابٍ آخر.

وكانت تضع يدها على بطنها كلما سكنت السيارة قليلًا أو اهتزت، كأنها تقول للصغير في داخلها:

— تمهل… نحن على طريقٍ يعرفنا.

وفي منتصف الطريق، نزلا للاستراحة في موضعٍ صغير يجتمع فيه المسافرون.

وكانت هناك امرأةٌ كبيرة السن تحمل بين يديها سبحةً قديمة، فلما رأت صفية الحامل جلست بجوارها وسألتها إلى أين تقصد.

فلما سمعت “المدينة”، ابتسمت ابتسامةً واسعة وقالت:

— من ذهب إلى المدينة بحملٍ في بطنه عاد بقلبٍ آخر.

فسألتها صفية:

— لمَ تقولين ذلك؟

فقالت العجوز:

— لأن المدينة لا تستقبل الأمهات كما تستقبل غيرهن. هي تعرف أن في بطونهن أرواحًا لم ترَ الضوء بعد، فتفتح لهن من السكينة ما لا تفتحه لسواهن.

ولم تكن صفية تدري أحقًّا هذه حكمة امرأةٍ مجرِّبة أم مجرد عبارةٍ لطيفة، لكنها أخذتها معها على أي حال.

كانت في تلك الأيام تميل إلى أن تجمع كل كلمةٍ طيبة في الطريق كما يجمع الظمآن قطرات الماء.

وحين عادوا إلى السير، غلبها نعاسٌ خفيف.

ورأت في غفوتها كأنها تدخل ممرًا طويلًا من نورٍ خافت، وفي آخره طفلٌ يحمل شيئًا يشبه مفتاحًا صغيرًا من فضة.

لم يقترب منها، ولم يتكلم، لكنه وقف ثابتًا ونظر إليها.

فلما استيقظت، أخبرت سعيدًا، فقال ضاحكًا برفق:

— يبدو أن ابننا مشغول من الآن بفتح الأبواب المغلقة.

فقالت، وفي قلبها شيءٌ ارتعش عند كلمة “ابننا”:

— أسأل الله أن يفتح به خيرًا لا شرًّا.

فقال:

— آمين.

الباب السابع: أول ما ظهرت المدينة، وارتجاف المكان في قلب صفية

ولما بدأت معالم المدينة تظهر، لم تستقبلها صفية استقبال سائر المدن؛

فبعض الأماكن لا تُرى بالعين وحدها، بل تُرى بما تركته في الروح من قبل أن تُفهم.

وقد كانت المدينة في وجدانها موضعًا غامضًا طويلًا، ثم صارت بعد كشف النسب موضعًا واضح الجرح، وها هي الآن تعود لتغدو موضعًا ثالثًا لم تعرفه بعد.

كانت المآذن تلوح من بعيد، والهواء يختلف، وفي الجو شيءٌ من اللطف المهيب الذي لا تخطئه الأرواح إذا دخلت هذه البلدة.

تنفست صفية بعمق، ثم أغمضت عينيها لحظة، وشعرت أن شيئًا في صدرها يريد أن يبكي قبل أن ترى شيئًا محددًا.

قال سعيد وهو يتأمل وجهها:

— بدأتِ ترتجفين.

قالت:

— لأنها المدينة.

قال:

— نعم.

فقالت:

— أشعر أنني أدخل إلى قصةٍ أعرف أولها وآخرها، لكنني لا أعرف كيف سأمشي في وسطها.

ودخلوا المدينة.

وكانت الطرق تمضي بهم بين الأبنية والمآذن والوجوه والحركة المعتادة، إلا أن صفية كانت ترى من وراء ذلك كله موضعًا واحدًا فقط: المستشفى القديم القريب من الحرم، والمكان الذي بدأت فيه حياتها ثم انقطعت عنه قسرًا.

ولم تكن قد رأته بعد، لكن الذاكرة الروحية كانت تسبق البصر.

ولما مروا قريبًا من جهة الحرم، خفضت رأسها قليلًا، واغرورقت عيناها بدمعٍ صامت.

فسألها سعيد:

— أتريدين أن نتوقف؟

قالت:

— لا الآن… أخاف إن نزلتُ أن ينفتح عليّ كل شيء دفعةً واحدة.

فقال:

— كما تشائين.

ثم أضاف:

— نحن لسنا في عجلةٍ مع المدينة. هذه المرة هي التي ستنتظرنا.

وكانت هذه الجملة من أجمل ما قيل في الطريق كله.

لأن صفية، لأول مرة، بدأت تشعر أن المدينة ليست خصمًا يواجهها، بل مكانًا يمكن أن تتدرج في دخوله، وأنها ليست تلك الرضيعة التي خرجت منه من غير إرادة، بل امرأة تدخل بقدميها ومعها زوجها وولدها القادم.

الباب الثامن: بين الحرم والمستشفى، والليالي التي تناوب فيها الخوف والسكينة

نزلوا في سكنٍ قريبٍ من الحرم، لا بعيدٍ عن المستشفى الذي تقرر أن تتابع صفية فيه أمر حملها.

فلما فُتحت، دخل من هواء المدينة شيءٌ جعلها تجلس ساكنةً دقائق، كأن روحها تشرب.

قالت لمريم، وكانت قد جاءت معها إلى الغرفة:

— هذا الهواء… كأنني أعرفه.

فقالت مريم:

— لأن بعض الأمكنة تظلّ في الروح ولو لم تحفظها الذاكرة.

ثم نظرت إليها طويلًا، وأضافت بصوتٍ أخفض:

— هنا بدأتِ.

فأغمضت صفية عينيها، وسكتت.

وفي الأيام التالية، كان البرنامج يتكرر بين زيارات المتابعة للمستشفى، وأوقات الراحة، ولحظاتٍ تقضيها صفية قرب الحرم أو في غرفتها وهي تقرأ القرآن وتنتظر.

وكانت المدينة تمنحها شيئًا غريبًا:

كلما اقتربت من المستشفى اضطربت،

وكلما اقتربت من الحرم سكنت،

فكأنها تعيش بين موضعين: موضعِ الجرح، وموضعِ الدواء.

وفي إحدى الليالي، قالت لسعيد بعد عودتهما من صلاة العشاء:

— أشعر أنني أمشي على حدّ سكين بين الماضي والمستقبل.

فقال:

— وكيف؟

قالت:

— إذا نظرتُ إلى المستشفى رأيتُ الكذبة القديمة، وإذا نظرتُ إلى بطني رأيتُ الحقيقة الجديدة.

فقال:

— إذن اجعلي الحقيقة الجديدة أقوى.

قالت:

— أحاول.

فقال، وقد جلس قريبًا منها:

— لا تحاولي وحدكِ. سنفعل ذلك معًا.

ثم أخذ يحدثها طويلًا عن البيت في المزرعة، وعن موضع الغرفة، وعن الأشجار، وعن الباب الخشبي للمسجد، وعن يونس الذي أقسم أنه لن يدع شجرة الرمان تعاني العطش.

وكان يفعل ذلك عن قصد؛ يريد أن يربط المدينة في نفسها بالمستقبل أيضًا، لا بالماضي وحده.

وفهمت صفية قصده، فابتسمت وقالت:

— أنتَ الآن لا تحكي عن المزرعة… أنتَ تُسعف قلبي.

فقال:

— وهذا من بعض حقوقه عليّ.

وفي صباحٍ آخر، ذهبت مع مريم إلى الحرم في ساعةٍ مبكرة، وكان المكان أقل زحامًا.

جلستا في طرفٍ هادئ، وظلت صفية تنظر إلى السكينة النازلة على الوجوه، ثم قالت:

— يا أمي، أحيانًا أفكر: هل كنتِ تجلسين هنا يوم كنتُ في بطنك؟

فقالت مريم:

— نعم. وكنتُ أدعو لكِ وأنا لا أعرف اسم قدرك.

فقالت صفية، وقد لمعت عينها:

— وأنا الآن أدعو لابني في الموضع نفسه.

فقالت مريم:

— لهذا قلتُ لكِ إن الحلقة تتم.

وهكذا راحت المدينة تمارس فعلها ببطء: لا تمحو الوجع دفعةً واحدة، لكنها تعيد ترتيب معناه.

الباب التاسع: اشتداد الطلق، والليلة التي وقفت فيها صفية على باب المعنى كله

ثم جاءت الليلة التي تغيّر فيها إيقاع كل شيء.

بدأ الأمر بألمٍ خفيف في أسفل الجسد، لم تُرِد صفية في أول الأمر أن تبالغ في تفسيره.

لكن الألم عاد، ثم عاد، ثم صار بينه وبين نفسه نظامٌ لا تخطئه النساء.

نظرت إليها مريم فعرفت، ونظرت إليها فاطمة أم سعيد فعرفت أيضًا، وأما سعيد فقرأ الوجوه فعرف قبل أن يقال له شيء.

قالت مريم بهدوء الأمهات الخبيرات:

— يبدو أنه بدأ.

فوضعت صفية يدها على طرف الفراش، وأغمضت عينيها.

لم يكن الفزع هو أول ما دخل عليها، بل شيءٌ أعجب:

إحساسٌ بأن الزمن كله قد ضاق حتى صار في هذه الليلة.

تهيأوا على عجلٍ لا فوضى فيه.

وأُخذت إلى المستشفى.

وكان الطريق قصيرًا، لكنه مرّ عليها كأنه ممرٌ بين عالمين.

كلما اشتد الألم، شعرت أن شيئًا من الماضي يُسحب من داخلها مع كل موجة، كأن الجسد لا يلد طفلًا فقط، بل يلد معه معنىً جديدًا لسنواتها كلها.

وحين دخلت غرفة الولادة، مرّ في قلبها برقٌ خاطف:

هنا… أو في مثل هذا الموضع… بدأتُ يومًا.

لكنها لم تُرد أن تستسلم للفكرة كلها.

أخذت تردد آياتٍ قصيرة، وأدعيةً صغيرة متقطعة، وتستعين بما حفظته الروح في لياليها القديمة من حين كانت لا تجد إلا السجود.

دخل عليها سعيد قبل أن تُغلق الأبواب الأخيرة للحظةٍ وجيزة، فأخذ يدها وقال:

— انظري إليّ.

ففتحت عينيها بصعوبة.

قال:

— هذه الليلة ليست لوجعكِ القديم. هذه الليلة لولدنا.

فأومأت برأسها، ثم قالت بين شهيقٍ وآخر:

— أخبره… إذا خرج… أنني كنتُ أنتظره منذ قبل أن أعرفه.

فقال، وعينه تمتلئ رغم محاولته الثبات:

— سأخبره. لكنكِ أنتِ ستقولينها له أيضًا.

ثم خرج، وبقيت صفية وحدها مع الألم والله والذاكرة.

كانت الانقباضات تشتد، لكنها لم تكن عندها آلام ولادة فحسب؛

كانت كأنها شدٌّ عنيف على نسيج الحياة كله.

وفي بعض اللحظات كانت تشعر أنها تسمع في عمق نفسها بكاء المرأة التي خرجت من المدينة قديمًا بطفلةٍ قيل إنها ماتت، ثم تسمع في اللحظة نفسها قلبها الآن وهو يقول:

لا… هذه المرة ستخرج الحياة.

ومع اشتداد الطلق، انهمرت دموعها من غير صراخٍ كثير.

كان بكاؤها يشبه صلاةً مخنوقة.

وقالت مرةً وهي تكاد لا تسمع نفسها:

— يا رب… اجعلها جبرًا كاملاً.

ولم تكن الكلمة عندها مجازًا، بل كانت حقيقةَ الليلة كلها.

الباب العاشر: ولادة عبدالملك، وانقلاب معنى المدينة في قلب صفية

ثم جاءت اللحظة التي ينفلق عندها الألم عن حياة.

اللحظة التي لا يمكن للغة مهما اتسعت أن تحيط بها كاملةً، لأنها لحظةُ خروج روحٍ جديدة إلى الدنيا، وخروج معنى جديدٍ إلى قلب الأم في الوقت نفسه.

خرج الطفل.

وبين صراخه الأول، وبين شهقة صفية، وبين حركة الأيدي حولها، وقع في الوجود شيءٌ أكبر من خبر الولادة ذاته.

لقد وُلد عبدالملك في المدينة.

وهذا ليس خبرًا عابرًا في خط الرواية، بل هو موضعٌ فاصِل في المعنى كله:

فالمدينة التي كانت في وجدان صفية موضعَ الخطف الأول، صارت الآن أيضًا موضعَ الولادة الأولى.

والمكان الذي شهد كذبة الموت، شهد هذه المرة حقيقة الحياة.

ولما وضعوا الطفل قريبًا منها، نظرت إليه صفية أولًا كما تنظر المرأة إلى معجزةٍ خرجت من وجعها، ثم كما تنظر الابنة إلى جوابٍ هبط أخيرًا على سؤالها القديم.

لم ترَ فيه وجه طفلٍ فقط، بل رأت فيه انقلابَ ميزان.

مدت يدها المرتجفة، ولمست وجنته، ثم خرج من بين شفتيها الاسم من غير تردد:

— عبدالملك.

وكان سعيد قد دخل بعد قليل، فلما سمع الاسم قال، وعيناه تلمعان بما لم يستطع إخفاءه:

— نعم… عبدالملك.

ثم انحنى عليه، وأذّن في أذنه، وكان صوته يومئذٍ مختلفًا، فيه خشوع الرجال إذا أحسّوا أن الله أعطاهم من أنفسهم قطعةً جديدة.

أما مريم، فلما رأت حفيدها، وقفت لحظةً لا تتكلم.

ثم بكت.

ولم يكن بكاؤها بكاء جدةٍ فحسب، بل بكاء أمٍّ رأت المدينة تعيد إليها ما لم تستطع الدنيا كلها أن تعيده لسنوات.

وقالت وهي تنظر إلى صفية:

— الآن… الآن فقط أشعر أن الجرح القديم بدأ يلتئم.

وقالت فاطمة أم سعيد وهي تمسح دمعتها:

— الحمد لله الذي بدّل الخوف حياة.

وأما تقي الدين، فقد دخل بعدهم بوقاره المعتاد، لكن الوقار انكسر عند عينيه.

أخذ الطفل بين ذراعيه، ونظر إليه طويلًا، ثم رفع رأسه إلى أعلى وقال فقط:

— الحمد لله.

وكانت الكلمة قليلة، لكنها خرجت من رجلٍ عرف ما تعنيه.

فهو نفسه الذي خرج من المدينة قديمًا وفي قلبه شكٌّ لا قبر له، يقف اليوم فيها حاملًا حفيدًا من ابنته التي قالوا إنها ماتت.

ولذلك لم يكن يحمل طفلًا فقط، بل يحمل برهانًا.

وفي الليلة نفسها، بعد أن هدأت الغرفة، وبقيت صفية وحدها مع طفلها قليلًا، نظرت إليه ثم إلى السقف الأبيض، وشعرت أن المدينة تغيّرت في داخلها إلى الأبد.

لم تعد مكانًا ذا وجهٍ واحد.

صارت موضعًا ذا وجهين:

وجه الألم الذي لا يُنسى،

ووجه الجبر الذي لا يُنكر.

لكن الوجه الثاني هذه المرة كان أقوى.

همست لولدها:

— يا عبدالملك… أنتَ لم تولد في مدينةٍ فقط، بل في موضعٍ استردّ الله فيه لي معنى عمري.

ثم أغلقت عينيها، وكان في صدرها سكونٌ لم تعرفه من قبل.

وهكذا انتهى الفصل العشرون:

لا بعودة امرأةٍ إلى مكانٍ قديم،

بل بعودة القدر نفسه إلى موضع بدايته ليصحح عبارته.