ثم جاءت الليلة التي تغيّر فيها إيقاع كل شيء.
بدأ الأمر بألمٍ خفيف في أسفل الجسد، لم تُرِد صفية في أول الأمر أن تبالغ في تفسيره.
لكن الألم عاد، ثم عاد، ثم صار بينه وبين نفسه نظامٌ لا تخطئه النساء.
نظرت إليها مريم فعرفت، ونظرت إليها فاطمة أم سعيد فعرفت أيضًا، وأما سعيد فقرأ الوجوه فعرف قبل أن يقال له شيء.
قالت مريم بهدوء الأمهات الخبيرات:
— يبدو أنه بدأ.
فوضعت صفية يدها على طرف الفراش، وأغمضت عينيها.
لم يكن الفزع هو أول ما دخل عليها، بل شيءٌ أعجب:
إحساسٌ بأن الزمن كله قد ضاق حتى صار في هذه الليلة.
تهيأوا على عجلٍ لا فوضى فيه.
وأُخذت إلى المستشفى.
وكان الطريق قصيرًا، لكنه مرّ عليها كأنه ممرٌ بين عالمين.
كلما اشتد الألم، شعرت أن شيئًا من الماضي يُسحب من داخلها مع كل موجة، كأن الجسد لا يلد طفلًا فقط، بل يلد معه معنىً جديدًا لسنواتها كلها.
وحين دخلت غرفة الولادة، مرّ في قلبها برقٌ خاطف:
هنا… أو في مثل هذا الموضع… بدأتُ يومًا.
لكنها لم تُرد أن تستسلم للفكرة كلها.
أخذت تردد آياتٍ قصيرة، وأدعيةً صغيرة متقطعة، وتستعين بما حفظته الروح في لياليها القديمة من حين كانت لا تجد إلا السجود.
دخل عليها سعيد قبل أن تُغلق الأبواب الأخيرة للحظةٍ وجيزة، فأخذ يدها وقال:
— انظري إليّ.
ففتحت عينيها بصعوبة.
قال:
— هذه الليلة ليست لوجعكِ القديم. هذه الليلة لولدنا.
فأومأت برأسها، ثم قالت بين شهيقٍ وآخر:
— أخبره… إذا خرج… أنني كنتُ أنتظره منذ قبل أن أعرفه.
فقال، وعينه تمتلئ رغم محاولته الثبات:
— سأخبره. لكنكِ أنتِ ستقولينها له أيضًا.
ثم خرج، وبقيت صفية وحدها مع الألم والله والذاكرة.
كانت الانقباضات تشتد، لكنها لم تكن عندها آلام ولادة فحسب؛
كانت كأنها شدٌّ عنيف على نسيج الحياة كله.
وفي بعض اللحظات كانت تشعر أنها تسمع في عمق نفسها بكاء المرأة التي خرجت من المدينة قديمًا بطفلةٍ قيل إنها ماتت، ثم تسمع في اللحظة نفسها قلبها الآن وهو يقول:
لا… هذه المرة ستخرج الحياة.
ومع اشتداد الطلق، انهمرت دموعها من غير صراخٍ كثير.
كان بكاؤها يشبه صلاةً مخنوقة.
وقالت مرةً وهي تكاد لا تسمع نفسها:
— يا رب… اجعلها جبرًا كاملاً.
ولم تكن الكلمة عندها مجازًا، بل كانت حقيقةَ الليلة كلها.