باب من الرواية

الباب الثامن: بين الحرم والمستشفى، والليالي التي تناوب فيها الخوف والسكينة

الفصل العشرون — العودة إلى المدينة قبل الولادة

نزلوا في سكنٍ قريبٍ من الحرم، لا بعيدٍ عن المستشفى الذي تقرر أن تتابع صفية فيه أمر حملها.

فلما فُتحت، دخل من هواء المدينة شيءٌ جعلها تجلس ساكنةً دقائق، كأن روحها تشرب.

قالت لمريم، وكانت قد جاءت معها إلى الغرفة:

— هذا الهواء… كأنني أعرفه.

فقالت مريم:

— لأن بعض الأمكنة تظلّ في الروح ولو لم تحفظها الذاكرة.

ثم نظرت إليها طويلًا، وأضافت بصوتٍ أخفض:

— هنا بدأتِ.

فأغمضت صفية عينيها، وسكتت.

وفي الأيام التالية، كان البرنامج يتكرر بين زيارات المتابعة للمستشفى، وأوقات الراحة، ولحظاتٍ تقضيها صفية قرب الحرم أو في غرفتها وهي تقرأ القرآن وتنتظر.

وكانت المدينة تمنحها شيئًا غريبًا:

كلما اقتربت من المستشفى اضطربت،

وكلما اقتربت من الحرم سكنت،

فكأنها تعيش بين موضعين: موضعِ الجرح، وموضعِ الدواء.

وفي إحدى الليالي، قالت لسعيد بعد عودتهما من صلاة العشاء:

— أشعر أنني أمشي على حدّ سكين بين الماضي والمستقبل.

فقال:

— وكيف؟

قالت:

— إذا نظرتُ إلى المستشفى رأيتُ الكذبة القديمة، وإذا نظرتُ إلى بطني رأيتُ الحقيقة الجديدة.

فقال:

— إذن اجعلي الحقيقة الجديدة أقوى.

قالت:

— أحاول.

فقال، وقد جلس قريبًا منها:

— لا تحاولي وحدكِ. سنفعل ذلك معًا.

ثم أخذ يحدثها طويلًا عن البيت في المزرعة، وعن موضع الغرفة، وعن الأشجار، وعن الباب الخشبي للمسجد، وعن يونس الذي أقسم أنه لن يدع شجرة الرمان تعاني العطش.

وكان يفعل ذلك عن قصد؛ يريد أن يربط المدينة في نفسها بالمستقبل أيضًا، لا بالماضي وحده.

وفهمت صفية قصده، فابتسمت وقالت:

— أنتَ الآن لا تحكي عن المزرعة… أنتَ تُسعف قلبي.

فقال:

— وهذا من بعض حقوقه عليّ.

وفي صباحٍ آخر، ذهبت مع مريم إلى الحرم في ساعةٍ مبكرة، وكان المكان أقل زحامًا.

جلستا في طرفٍ هادئ، وظلت صفية تنظر إلى السكينة النازلة على الوجوه، ثم قالت:

— يا أمي، أحيانًا أفكر: هل كنتِ تجلسين هنا يوم كنتُ في بطنك؟

فقالت مريم:

— نعم. وكنتُ أدعو لكِ وأنا لا أعرف اسم قدرك.

فقالت صفية، وقد لمعت عينها:

— وأنا الآن أدعو لابني في الموضع نفسه.

فقالت مريم:

— لهذا قلتُ لكِ إن الحلقة تتم.

وهكذا راحت المدينة تمارس فعلها ببطء: لا تمحو الوجع دفعةً واحدة، لكنها تعيد ترتيب معناه.