حين جاء يوم الرحيل، لم يكن في البيت ذلك الحزن الثقيل الذي يشيع عند سفر من يُخشى عليه، بل كان فيه وقارُ الرحلات التي يعرف الناس أنها جزءٌ من الخير وإن خالطتها رجفة.
ودّعوا المزرعة، وودّع يونس البستاني صفية بدعوةٍ طويلة، ووقف تقي الدين بنفسه على تفاصيل السفر كعادته، لا لأنه يشك في قدرة سعيد، بل لأن الآباء إذا أحبوا أفرطوا في خدمة التفاصيل.
ركبت صفية، وجلس سعيد إلى جوارها، ومريم تنظر من الباب حتى ابتعدت العربة عن المزرعة.
ولمّا خرجوا من أطراف بخارستان، شعرت صفية أن جسدها كله يصغي.
فالسفر إلى المدينة هذه المرة لم يكن شبيهًا بالسفر إلى بخارستان ولا بأي انتقالٍ آخر؛ لأنه سفرٌ إلى موضعٍ يحمل لها أكثر من وجه.
قال لها سعيد في أول الطريق:
— كيف قلبكِ الآن؟
قالت:
— كأنه طائر يعرف عشه ويخافه في الوقت نفسه.
قال:
— وهل يعود الطائر إلى عشه لأنه مطمئن دائمًا، أم لأنه يعرف أن له فيه شيئًا؟
فقالت:
— بل لأنه يعرف.
فقال:
— هذا يكفي.
مرّا في الطريق بمحطاتٍ وسهول، وتبدلت البلاد كما تتبدل الصفحات، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا في صدرها:
أنها تقترب من الموضع الذي وُلدت فيه يومًا ثم غابت عنه، وستدخل إليه الآن من بابٍ آخر.
وكانت تضع يدها على بطنها كلما سكنت السيارة قليلًا أو اهتزت، كأنها تقول للصغير في داخلها:
— تمهل… نحن على طريقٍ يعرفنا.
وفي منتصف الطريق، نزلا للاستراحة في موضعٍ صغير يجتمع فيه المسافرون.
وكانت هناك امرأةٌ كبيرة السن تحمل بين يديها سبحةً قديمة، فلما رأت صفية الحامل جلست بجوارها وسألتها إلى أين تقصد.
فلما سمعت “المدينة”، ابتسمت ابتسامةً واسعة وقالت:
— من ذهب إلى المدينة بحملٍ في بطنه عاد بقلبٍ آخر.
فسألتها صفية:
— لمَ تقولين ذلك؟
فقالت العجوز:
— لأن المدينة لا تستقبل الأمهات كما تستقبل غيرهن. هي تعرف أن في بطونهن أرواحًا لم ترَ الضوء بعد، فتفتح لهن من السكينة ما لا تفتحه لسواهن.
ولم تكن صفية تدري أحقًّا هذه حكمة امرأةٍ مجرِّبة أم مجرد عبارةٍ لطيفة، لكنها أخذتها معها على أي حال.
كانت في تلك الأيام تميل إلى أن تجمع كل كلمةٍ طيبة في الطريق كما يجمع الظمآن قطرات الماء.
وحين عادوا إلى السير، غلبها نعاسٌ خفيف.
ورأت في غفوتها كأنها تدخل ممرًا طويلًا من نورٍ خافت، وفي آخره طفلٌ يحمل شيئًا يشبه مفتاحًا صغيرًا من فضة.
لم يقترب منها، ولم يتكلم، لكنه وقف ثابتًا ونظر إليها.
فلما استيقظت، أخبرت سعيدًا، فقال ضاحكًا برفق:
— يبدو أن ابننا مشغول من الآن بفتح الأبواب المغلقة.
فقالت، وفي قلبها شيءٌ ارتعش عند كلمة “ابننا”:
— أسأل الله أن يفتح به خيرًا لا شرًّا.
فقال:
— آمين.