ثم جاءت اللحظة التي ينفلق عندها الألم عن حياة.
اللحظة التي لا يمكن للغة مهما اتسعت أن تحيط بها كاملةً، لأنها لحظةُ خروج روحٍ جديدة إلى الدنيا، وخروج معنى جديدٍ إلى قلب الأم في الوقت نفسه.
خرج الطفل.
وبين صراخه الأول، وبين شهقة صفية، وبين حركة الأيدي حولها، وقع في الوجود شيءٌ أكبر من خبر الولادة ذاته.
لقد وُلد عبدالملك في المدينة.
وهذا ليس خبرًا عابرًا في خط الرواية، بل هو موضعٌ فاصِل في المعنى كله:
فالمدينة التي كانت في وجدان صفية موضعَ الخطف الأول، صارت الآن أيضًا موضعَ الولادة الأولى.
والمكان الذي شهد كذبة الموت، شهد هذه المرة حقيقة الحياة.
ولما وضعوا الطفل قريبًا منها، نظرت إليه صفية أولًا كما تنظر المرأة إلى معجزةٍ خرجت من وجعها، ثم كما تنظر الابنة إلى جوابٍ هبط أخيرًا على سؤالها القديم.
لم ترَ فيه وجه طفلٍ فقط، بل رأت فيه انقلابَ ميزان.
مدت يدها المرتجفة، ولمست وجنته، ثم خرج من بين شفتيها الاسم من غير تردد:
— عبدالملك.
وكان سعيد قد دخل بعد قليل، فلما سمع الاسم قال، وعيناه تلمعان بما لم يستطع إخفاءه:
— نعم… عبدالملك.
ثم انحنى عليه، وأذّن في أذنه، وكان صوته يومئذٍ مختلفًا، فيه خشوع الرجال إذا أحسّوا أن الله أعطاهم من أنفسهم قطعةً جديدة.
أما مريم، فلما رأت حفيدها، وقفت لحظةً لا تتكلم.
ثم بكت.
ولم يكن بكاؤها بكاء جدةٍ فحسب، بل بكاء أمٍّ رأت المدينة تعيد إليها ما لم تستطع الدنيا كلها أن تعيده لسنوات.
وقالت وهي تنظر إلى صفية:
— الآن… الآن فقط أشعر أن الجرح القديم بدأ يلتئم.
وقالت فاطمة أم سعيد وهي تمسح دمعتها:
— الحمد لله الذي بدّل الخوف حياة.
وأما تقي الدين، فقد دخل بعدهم بوقاره المعتاد، لكن الوقار انكسر عند عينيه.
أخذ الطفل بين ذراعيه، ونظر إليه طويلًا، ثم رفع رأسه إلى أعلى وقال فقط:
— الحمد لله.
وكانت الكلمة قليلة، لكنها خرجت من رجلٍ عرف ما تعنيه.
فهو نفسه الذي خرج من المدينة قديمًا وفي قلبه شكٌّ لا قبر له، يقف اليوم فيها حاملًا حفيدًا من ابنته التي قالوا إنها ماتت.
ولذلك لم يكن يحمل طفلًا فقط، بل يحمل برهانًا.
وفي الليلة نفسها، بعد أن هدأت الغرفة، وبقيت صفية وحدها مع طفلها قليلًا، نظرت إليه ثم إلى السقف الأبيض، وشعرت أن المدينة تغيّرت في داخلها إلى الأبد.
لم تعد مكانًا ذا وجهٍ واحد.
صارت موضعًا ذا وجهين:
وجه الألم الذي لا يُنسى،
ووجه الجبر الذي لا يُنكر.
لكن الوجه الثاني هذه المرة كان أقوى.
همست لولدها:
— يا عبدالملك… أنتَ لم تولد في مدينةٍ فقط، بل في موضعٍ استردّ الله فيه لي معنى عمري.
ثم أغلقت عينيها، وكان في صدرها سكونٌ لم تعرفه من قبل.
وهكذا انتهى الفصل العشرون:
لا بعودة امرأةٍ إلى مكانٍ قديم،
بل بعودة القدر نفسه إلى موضع بدايته ليصحح عبارته.