الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة
كانت المدينة المنورة في حياة مريم شيئًا لا يشبه سائر الأمكنة. ليست مجرد بلدٍ زارته يومًا في سفرٍ طويل مع تقي الدين، ولا موضعًا مباركًا ولدت فيه صفية ثم ضاعت، بل جرحًا كاملًا وجبرًا كاملًا معًا.
هذه الصفحة تجمع الفصل المرتبط بهذا التصنيف وجميع الأبواب التابعة له.
الأم التي قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت هناك، ثم أغمضت عينيها في الموضع نفسه وهي مطمئنة
كانت المدينة المنورة في حياة مريم شيئًا لا يشبه سائر الأمكنة. ليست مجرد بلدٍ زارته يومًا في سفرٍ طويل مع تقي الدين، ولا موضعًا مباركًا ولدت فيه صفية ثم ضاعت، بل جرحًا كاملًا وجبرًا كاملًا معًا.
كل باب منشور بصورة مستقلة لسهولة التصفح والمشاركة.
كانت المدينة المنورة في حياة مريم شيئًا لا يشبه سائر الأمكنة. ليست مجرد بلدٍ زارته يومًا في سفرٍ طويل مع تقي الدين، ولا موضعًا مباركًا ولدت فيه صفية ثم ضاعت، بل جرحًا كاملًا…
تهيأت الرحلة. ولم تكن رحلة استعراضٍ ولا احتفالًا بموضع حفيد، بل خروجًا فيه من الوقار ما يشبه الحجّ الداخلي. خرجت مريم، ومعها من يلزم من الرفقة، وخرجت معها في الحقيقة أعوامٌ كاملة…
لم يكن محمد، في مقامه في الحرم النبوي، يرى نفسه صاحب مرتبةٍ شرفية فقط، ولا رجلًا بلغ من العلم والعبادة مبلغًا يفاخر به الناس، بل كان يعرف أن في وقوفه هناك شيئًا من جواب الليلة…
هنا قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت، وهنا عادت بعد سنين فعرفت أن ابنتها لم تمت، وهنا رأت واحدًا من نسلها إمامًا للحرم، وهنا أغمضت عينيها أخيرًا.
ولم تكن تلك الصلاة صلاة إمامٍ على جنازةٍ من جنائز الناس فقط. كانت صلاة حفيدٍ على امرأةٍ لو لم يكتب الله لها تلك الليلة القديمة بكل ألمها وصبرها، لما قام هو يومًا في موضعه ذلك. كان…
حين عاد خبر موت مريم إلى البوسنة، لم يكن وقعه على صفية كموت فاطمة أم سعيد. مع فاطمة، بكت صفية امرأةً فقدت سندًا من أسانيد البيت الكبير. أما مع مريم، فبكت الطفلة المسروقة في…
بعد موت مريم، تغيّر معنى المدينة في وجدان البيت مرةً أخرى. لم تعد فقط موضع الولادة الأولى لعبدالملك، ولا موضع الجرح الأول لصفية، بل صارت أيضًا موضع وفاة الأم التي كانت أصل الجرح…
وهذا هو المعنى الكبير الذي استقر في البيت بعد هذه الفصول الثلاثة من الفقد: استشهاد تقي الدين، ثم وفاة فاطمة أم سعيد، ثم وفاة مريم أم صفية.
أما محمد، فلم تنتهِ وفاة مريم عند الصلاة عليها. بل دخلت إلى محرابه نفسه من بعد ذلك. صار إذا وقف في المكان الذي كانت تنظر إليه بعيني الرضا وهي تزوره، يشعر أن صوته يحمل شيئًا من…
وهكذا لم تمت مريم في المدينة على صورةٍ عابرة. بل ماتت على صورة خاتمةٍ مستوفاة: أمٌّ قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت هناك، ثم عادت بعد السنين فعرفت أن ابنتها لم تمت،