الفصل الخامس والثلاثون

الفصل الخامس والثلاثون — محمد إلى المدينة

الهدوء الذي وجد موضعه الطبيعي عند الحرم النبوي

الباب السادس: محمد… غصن المدينة الذي نما في البوسنة

أما محمد، فلم يكن يشبه أحمد على تمام الشبه، مع أن كليهما خرج إلى المحاريب.

وهذا من أجمل ما في هذا البيت:

أن الأدوار لم تنشأ فيه على صورة النسخ المتشابهة، بل على صورة التكامل.

إذا كان أحمد أقرب إلى سكينة القراءة التي تسكت لها الأفئدة،

وكان محمد منذ صغره أقل إخوته ضجيجًا.

لا لأنه ضعيف،

بل لأن بعض الأرواح تتشكل على هيئة العمق الصامت لا الحضور العالي الصوت.

يستمع طويلًا،

ويتكلم قليلًا،

وإذا تكلم خرج من كلامه ما يجعل الرجل يحس أنه ليس أمام فتىً فقط، بل أمام قلبٍ شرب المعاني على مهل.

رأته صفية من هذه الجهة مبكرًا.

وحين كان صغيرًا تجلسه إلى جوارها أحيانًا في مجالس النساء والوقف، لا ليشارك، بل ليسمع.

وكان يسمع كما يسمع من يجمع الحصى لا ليلعب به، بل ليبني به جدارًا لاحقًا.

أما سعيد، فكان يعرف أن هذا الابن ليس من مادة الاندفاع إلى الثغور أولًا، وإن كان فيه من الرجولة ما يكفي لها عند الضرورة، لكنه مائل إلى شيءٍ آخر:

إلى المحراب،

والعلم،

والحديث،

وهدوء المجالس التي تخرج منها البصيرة أكثر مما يخرج منها الصخب.

وفي إحدى الليالي، قال سعيد لصفية:

— محمد لا يشبه أحمد.

فقالت:

— نعم.

— لكنه أيضًا من أهل الحرمين.

فنظرت إليه، وقالت:

— وأنا أشعر بهذا منذ زمن.

فقال:

— كيف عرفتِ؟

قالت:

— لأن بعض الأولاد إذا نظرت في وجوههم رأيتَ الأرض التي سيقفون عليها قبل أن يروها.

وكانت المدينة في وجدان محمد حاضرةً من غير أن يسكنها بعد.

لعلها من أثر قصة الولادة الأولى لصفية،

أو من دعوات مريم،

أو من شعور البيت كله أن لهذا الغلام صلةً خفيةً بالموضع الذي منه بدأ الجرح والجبر.

الباب السابع: سكينة بنت بدر الدين… المرأة التي أحسنت إلى صمته

وكما كان أحمد بحاجة إلى آية، كان محمد بحاجة إلى امرأةٍ تعرف كيف تُحسن إلى صمته.

فالرجال الهادئون العميقون لا يصلح لهم كل النساء.

بعض الزوجات يختنقن من قلة الكلام،

وبعضهن يظنن أن الصمت نقص محبة،

وبعضهن لا يعرفن كيف يدخلن على رجلٍ بيته داخله واسع إلى هذا الحد.

ولهذا جاء اقتران محمد بـ سكينة بنت بدر الدين على صورةٍ تليق باسمهما معًا.

إذا كان أحمد قد اقترن بآية ليحمل بيت مكة في سكينته، فإن محمدًا اقترن بسكينة ليحمل بيت المدينة في صمته.

وسكينة لم تكن مجرد امرأةٍ صالحة بالمعنى العام، بل كانت من اللواتي يملكن حسًّا نادرًا في التعامل مع الرجال العميقين:

لا تقتحم الصمت بثرثرة،

ولا تفسره بسوء الظن،

ولا تجعل من بيتها ساحةَ امتحانٍ يومي تطالب فيه الرجل أن يترجم كل ما في قلبه ألف مرة.

بل كانت تعرف أن بعض القلوب تُحبّ بثبات، لا بفيض القول.

ولهذا أحسنت إلى محمد إحسانًا من نوعٍ خاص:

جعلت البيت هادئًا بما يكفي ليبقى هو نفسه.

وهذا ما جعله يزداد رسوخًا لا انغلاقًا.

ترى ولدًا لم يذهب إلى الملك ولا إلى الثغر، لكنه يقف في موضعٍ لا يقل خطرًا:

موضع القلب من الأمة.

الباب الثامن: الخامسة والعشرون أيضًا… المدينة تستقبل جوابًا قديمًا

وكما استقر في خطك الملزم، بلغ محمد الخامسة والعشرين في طوره هو أيضًا، وهناك تحرك الباب الآخر من أبواب الرؤيا:

المدينة.

لم يكن انتقاله إلى الحرم النبوي انتقالًا وظيفيًا باردًا.

كان أشبه بعودة شيءٍ قديم إلى موضعه الصحيح.

فهذا الغلام خرج من رحم صفية التي كانت المدينة عندها موضع الجرح الأول،

وربّته البوسنة على الوقار،

وسقته أمه وأبوه من المعنى ما جعله يتجه إلى الهدوء والعلم والمحاريب،

ثم ها هو الآن يقف على عتبة المدينة نفسها، لا ليبحث عن شيء، بل ليعطي.

ولما بدأ الكلام يكثر عن إمامته، قالت صفية له يومًا:

— يا محمد، إن ذهبت إلى المدينة، فلا تذهب كمن نال شرفًا فقط. اذهب كمن يحمل جوابًا لليل قديم.

فنظر إليها طويلًا، لأنه كان أعمق أولادها فهمًا لظلال الكلمات، ثم قال:

— أفهم.

وكان يفهم حقًا.

يفهم أن المدينة ليست عند أمه بلدًا عاديًا،

ولا عند الجيل الأول حكايةً عابرة،

وجاء يوم رحيله إلى المدينة، فكان هادئًا على صورة محمد نفسه.

لا كثرة وداع،

ولا ضجيج،

ولا كلامٌ يفسد سكينة اللحظة.

وقف بين يدي أمه، فوضعت يدها على رأسه وقالت:

— إذا وقفتَ هناك، فاحمل في قلبك كل من ضاع له شيء في المدينة ثم ردّه الله إليه.

فقال:

— سأفعل.

ثم أضاف وهو يبتسم ابتسامةً خفيفة تكفي لتخفف بعض وجعها:

— وسأذكّر نفسي أنني لستُ أول من دخلها من بيتنا ولا آخر من سيترك فيها أثرًا.

فبكت، لا خوفًا عليه، بل لأن الله كان يتمّم أمامها ما طال عليها يومًا حتى ظنته لا يتم.

الباب التاسع: محمد في الحرم النبوي… الإمام الذي يشبه موضعه

ولم يكن هذا المنصب عند الناس خبرًا عن بيتٍ عظيمٍ آخر فقط، بل كان عند من يعرفه خبرَ مطابقة:

كأن الرجل يشبه موضعه،

وكأن المدينة لما نظرت إلى هذا الغلام العميق الهادئ قالت: نعم.

كان إذا وقف في الحرم النبوي يقرأ، شعر من يسمعه أن صوته لا يخرج من طبقة أداء فحسب، بل من قلبٍ تهذّب على الصمت والخشية والفهم.

وكانت المدينة، بخلاف مكة، أقرب إلى طبعه.

في مكة جلالٌ ظاهر،

وفي المدينة سكينةٌ غائرة.

ومحمد كان من أهل السكينة الغائرة.

إذا جلس إلى الحديث والفقه، لم يتكلف الهيبة، لكنها كانت تخرج معه من حيث لا يريد.

وإذا سأل سائل، لم يُكثر الجواب، لكنه كان إذا أجاب ترك في النفس معنى أوسع من الألفاظ.

ولهذا أحبّه الناس هناك لا فقط من باب حسن صوته، بل من باب حسن حضوره.

وكانت سكينة بنت بدر الدين قد أحسنت إلى هذا كله.

لم تجعل المدينة عنده زينةَ مقام،

ولا بيته هناك مسرحًا لتعبٍ جديد،

بل ساعدته أن يبقى نفسه.

الباب العاشر: البيتان يدخلان السلالة من باب الدم والعبادة

أن البيتين، مكة والمدينة، لم يدخلا هذه السلالة من باب المجد الديني فقط، بل من باب الدم والعبادة والخاتمة.

فأحمد لم يصر إمام الحرم المكي ثم يذوب خبرُه في فضيلة المنصب فقط،

ومحمد لم يصر إمام الحرم النبوي ثم يعيش فيه حياةً باردةً لا خاتمة لها،

بل سيختم طريقه هو الآخر ساجدًا في الحرم النبوي.

وكأن البيتين، مكة والمدينة، لم يكتفيا أن يعطيا هذه السلالة شرف الوقوف،

بل أخذا منها في المقابل دمًا وعبادة وخاتمة.

ولذلك لم تكن صفية تنظر إلى مقام ابنيها في الحرمين بعينٍ فارغة من الخوف.

كانت تفرح، نعم،

لكن في فرحها دائمًا ظلُّ تلك المعرفة التي اكتسبتها من عمرها كله:

أن الله إذا أعطى قومًا موضعًا عاليًا، فقد يختار أن تكون خاتمتهم فيه أيضًا.

فلا يُغتر بالمقام،

ولا يُقرأ الشرف من غير الثمن.

وفي إحدى الليالي، بعد أن استقر كلٌّ من أحمد ومحمد في موضعه، جلست صفية وحدها طويلًا.

ثم قالت لسعيد:

— أتعرف ما أخشاه؟

قال:

— ماذا؟

قالت:

— أن يكون الله قد أحب لهما البيتين حبًا لا يشبه حبّنا لهما.

فسكت سعيد، لأنه فهم العمق الذي لا تريد أن تسميه.

ثم قال:

— نسأل الله لهما الثبات حيث أحبّهما.

فقالت:

— آمين.

وكان هذا الدعاء وحده يحمل من الرضا والخوف ما يكفي لفصل كامل.

الباب الحادي عشر: الناس يروون البيت على صورة جديدة

بعد استقرار أحمد في مكة، ومحمد في المدينة، بدأت صورة البيت كله تتغير في وجدان الناس أكثر.

لم يعودوا يرون فيه فقط:

صفية المرأة التي غيرت التاريخ،

وسعيد الرجل المؤسس،

وعبدالملك الملك الفاتح،

وعبدالله شريك الثغر،

بل صاروا يقولون أيضًا:

هذا البيت يخرج المحراب كما يخرج السيف.

وصارت المجالس تحفظهم بطريقتها الخاصة.

العجائز في القرى يروين صفية للفتيات اللواتي يخاف عليهن اليأس،

والشيوخ في المساجد يروون أحمد ومحمد للصبيان الذين يريدون العلم، ويقولون:

انظروا كيف يكون العلم إذا لم ينفصل عن البيت الصالح.

والفرسان يروون عبدالله وعبدالملك للشباب،

والنساء يروين آية وسكينة والبنات الأخريات ليقلن إن الدول لا تُبنى بالسيوف وحدها.

ومن يومها، لم يعد البيت يُقرأ من خلال حدثٍ واحد،

بل من خلال بنية أخلاقية كاملة:

رجل يبدأ من الخارج،

وامرأة ترتب الداخل،

وابن يجمع المعنيين ويخرج إلى الفتح،

وأخ يحمل الدولة بعد الكارثة،

وإمامان يردان السلسلة إلى الحرمين،

وبنات يدخلن من البيوت إلى الأوقاف والتحالفات.

وكان هذا هو المعنى الذي جعل البيت أكبر من بيتٍ عظيم،

وأقرب إلى ذاكرة أمة.

الباب الثاني عشر: خاتمة الفصل… المحراب الذي خرج من بيت الملوك ولم يفسد

وهكذا يُغلق هذا الطور على صورتين متجاورتين:

أحمد في مكة،

ومحمد في المدينة.

صورتان لا تناقضان صورة عبدالملك وعبدالله، بل تكملانها.

فإذا كانت الدولة تحتاج السيف والعدل والثغر، فإن الأمة تحتاج أيضًا المحراب والفقه والقرآن والقبول.

وهذا هو الذي أثبته البيت كله في هذا الجيل:

أنه لم يربِّ أبناءه على التنافس الكسول الذي يفسد البيوت الكبيرة،

بل على التكامل الذي يريح الدولة ويثبّت الأمة.