وكما استقر في خطك الملزم، بلغ محمد الخامسة والعشرين في طوره هو أيضًا، وهناك تحرك الباب الآخر من أبواب الرؤيا:
المدينة.
لم يكن انتقاله إلى الحرم النبوي انتقالًا وظيفيًا باردًا.
كان أشبه بعودة شيءٍ قديم إلى موضعه الصحيح.
فهذا الغلام خرج من رحم صفية التي كانت المدينة عندها موضع الجرح الأول،
وربّته البوسنة على الوقار،
وسقته أمه وأبوه من المعنى ما جعله يتجه إلى الهدوء والعلم والمحاريب،
ثم ها هو الآن يقف على عتبة المدينة نفسها، لا ليبحث عن شيء، بل ليعطي.
ولما بدأ الكلام يكثر عن إمامته، قالت صفية له يومًا:
— يا محمد، إن ذهبت إلى المدينة، فلا تذهب كمن نال شرفًا فقط. اذهب كمن يحمل جوابًا لليل قديم.
فنظر إليها طويلًا، لأنه كان أعمق أولادها فهمًا لظلال الكلمات، ثم قال:
— أفهم.
وكان يفهم حقًا.
يفهم أن المدينة ليست عند أمه بلدًا عاديًا،
ولا عند الجيل الأول حكايةً عابرة،
وجاء يوم رحيله إلى المدينة، فكان هادئًا على صورة محمد نفسه.
لا كثرة وداع،
ولا ضجيج،
ولا كلامٌ يفسد سكينة اللحظة.
وقف بين يدي أمه، فوضعت يدها على رأسه وقالت:
— إذا وقفتَ هناك، فاحمل في قلبك كل من ضاع له شيء في المدينة ثم ردّه الله إليه.
فقال:
— سأفعل.
ثم أضاف وهو يبتسم ابتسامةً خفيفة تكفي لتخفف بعض وجعها:
— وسأذكّر نفسي أنني لستُ أول من دخلها من بيتنا ولا آخر من سيترك فيها أثرًا.
فبكت، لا خوفًا عليه، بل لأن الله كان يتمّم أمامها ما طال عليها يومًا حتى ظنته لا يتم.