أن البيتين، مكة والمدينة، لم يدخلا هذه السلالة من باب المجد الديني فقط، بل من باب الدم والعبادة والخاتمة.
فأحمد لم يصر إمام الحرم المكي ثم يذوب خبرُه في فضيلة المنصب فقط،
ومحمد لم يصر إمام الحرم النبوي ثم يعيش فيه حياةً باردةً لا خاتمة لها،
بل سيختم طريقه هو الآخر ساجدًا في الحرم النبوي.
وكأن البيتين، مكة والمدينة، لم يكتفيا أن يعطيا هذه السلالة شرف الوقوف،
بل أخذا منها في المقابل دمًا وعبادة وخاتمة.
ولذلك لم تكن صفية تنظر إلى مقام ابنيها في الحرمين بعينٍ فارغة من الخوف.
كانت تفرح، نعم،
لكن في فرحها دائمًا ظلُّ تلك المعرفة التي اكتسبتها من عمرها كله:
أن الله إذا أعطى قومًا موضعًا عاليًا، فقد يختار أن تكون خاتمتهم فيه أيضًا.
فلا يُغتر بالمقام،
ولا يُقرأ الشرف من غير الثمن.
وفي إحدى الليالي، بعد أن استقر كلٌّ من أحمد ومحمد في موضعه، جلست صفية وحدها طويلًا.
ثم قالت لسعيد:
— أتعرف ما أخشاه؟
قال:
— ماذا؟
قالت:
— أن يكون الله قد أحب لهما البيتين حبًا لا يشبه حبّنا لهما.
فسكت سعيد، لأنه فهم العمق الذي لا تريد أن تسميه.
ثم قال:
— نسأل الله لهما الثبات حيث أحبّهما.
فقالت:
— آمين.
وكان هذا الدعاء وحده يحمل من الرضا والخوف ما يكفي لفصل كامل.