الباب الأول: الرجوع خطوةً إلى الظل، لأن بعض النهايات تقع بعيدًا عن الأعين
لم تكن الرواية لتكون منصفة لو أنها مضت مباشرةً من ولادة عبدالملك إلى ضحكته الأولى، ومن المدينة التي ردّت المعنى إلى البيت الذي ينتظر عودته، من غير أن تفتح هذا الباب المظلم الذي كان يُغلق في الجهة الأخرى من المشهد.
فالحياة، كما تعرفها الروايات الكبرى، لا تُدار كلها في النور.
هناك دائمًا جهةٌ معتمة يحدث فيها شيءٌ موازٍ، جهةٌ تتراجع فيها خيوطٌ قديمة، وتنحل فيها عقدٌ سوداء، ويسقط فيها من ظنوا أن الليل ملكهم.
ولهذا، فقبل أن يحمل سعيد ابنه الأول بين يديه، وقبل أن تضع صفية رأسها على الوسادة وقد انقلب معنى المدينة في قلبها، كان هناك في مكانٍ آخر فصلٌ آخر يُكتب:
فصلُ سقوط الجماعة التي ظلت سنين تحيك الشر، وتبدّل الأقنعة، وتدخل البيوت من أبواب الحسد والسحر والكيد والافتراء.
لم يكونوا واحدًا أو اثنين، ولا خصمًا واضح الوجه يمكن أن تشير إليه الرواية وتقول: هذا هو الشر كله.
بل كانوا ستة عشر، تتوزع فيهم النيات القبيحة كما يتوزع السمّ في ماءٍ راكد:
واحدٌ يحقد لأنه لم يطق أن يرى امرأةً تنجو،
وآخرُ يحب السيطرة أكثر من الحق،
وثالثٌ يبيع الذمم لأن الطمع ربّاه على أن البشر سلع،
ورابعةٌ وجدت في أذى صفية تعويضًا مشوهًا عن نقصها،
وعجوزٌ أسود القلب ظن أن الأسرار إذا طال عليها الزمن صارت ملكه،
وآخرون كانوا ما بين تابعٍ مأجور، ونفسٍ فاسدة، ويدٍ صغيرة تعمل في لعبةٍ أكبر منها.
اجتمعوا يومًا على هدفٍ واحد:
أن لا تقوم لهذه المرأة قائمة،
أن لا يثبت لها بيت،
أن لا يستقر لها زوج،
أن لا يصفو لها اسم،
وأن تظل محاصرةً في القاع الذي أرادوه لها.
لكن الشر، مهما بدا متماسكًا من الخارج، لا يملك في داخله مادة البقاء.
هو يحتاج دائمًا إلى خصمٍ خارج عنه ليبقى متوحدًا.
فإذا فشل في القضاء على خصمه، ولم يبقَ بين أفراده إلا الخوف المشترك، بدأ يأكل نفسه.
وهذا ما وقع.
الباب الثاني: أول شقٍّ في الجدار… حين عرفوا أن صفية لم تعد وحدها
في الشهور الأولى من حمل صفية بعبدالملك، لم يكن الخبر الذي أفزع أهل الشر أنها حملت فقط.
فالحمل في ذاته، عند العيون البعيدة، قد يبدو خبرًا عائليًا لا يزيد على أن بيتًا ثبت وأن نسلًا بدأ.
لكنهم، بما فيهم من قسوةٍ خبيرة، فهموا ما لم يفهمه غيرهم:
أن الحمل الأول ليس حملًا فقط، بل إعلانُ رسوخ.
فالمرأة التي أنجبت بدأت تخرج من طور الدفاع عن وجودها إلى طور الامتداد، والرجل الذي سيصير أبًا يشتد تعلقه ببيته، والعائلة التي تحتضن هذا الحمل تتحول إلى جدارٍ أشد صلابة.
وكان هذا آخر ما يريدونه.
بدأ الخبر يصلهم متقطعًا، لا من جهةٍ واحدة، بل من جهاتٍ عدة:
صفية وصلت إلى أهلها الحقيقيين،
بيت بخارستان استقبلها،
أبوها تقي الدين لم يكتفِ بالبكاء والاحتضان، بل ثبّت لها موضعًا في الأرض،
المزرعة بدأت تُبنى،
المسجد وضع أساسه،
أم سعيد لحقت بهم،
والمرأة التي أُريد لها أن تبقى طريدةً في القرى الضيقة صارت الآن في بيتٍ يتسع لها ولولدها القادم.
عند هذه النقطة، لم يعد الخوف عندهم من صفية وحدها، بل من المعنى الذي صار خلفها.
لقد كانت يومًا امرأةً تُهاجَم من بيتٍ ضعيف، وتُضغط من جهاتٍ متفرقة، وتُرمى بالشكوك، ويُستغل عليها مرضها ورؤاها وغربتها.
أما الآن، فقد أصبحت ابنة تقي الدين، وزوجة سعيد، وأمًّا لحملٍ أول، ومسنودةً بأهلٍ وعقارٍ وبيتٍ ومسجدٍ وروايةٍ بدأت تستعيد سردها الصحيح.
قال واحدٌ منهم، وكان من أكثرهم هلعًا وأقلهم صبرًا، في مجلسٍ صغير عُقد على عجل:
— الأمر لم يعد كما كان.
فرد عليه آخر بسخريةٍ مريرة:
— وهل كنت تظن أنها ستبقى مكسورة إلى الأبد؟
قال الأول:
— لم أقل هذا… لكنني أقول إن الخيوط بدأت تنكشف.
قال ثالثٌ، وهو رجلٌ من أولئك الذين لا يعرفون الولاء إلا لمصالحهم:
— الخطر ليس في انكشاف الخيوط كلها… الخطر في أن ينكشف بعضها على من لا يحتمل.
وهنا دخلت الكلمة الأولى التي شقّت الجدار:
من الذي قد يبيعنا؟
كانت الجلسة كلها قبل هذه الجملة تقوم على الرغبة في النجاة الجماعية.
لكن ما إن خرج السؤال إلى الهواء حتى فقد الجمع وحدته.
لأن كل نفسٍ فاسدة تعرف أن الفاسدين مثلها لا يُؤمن جانبهم.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الشيطان يجمعهم كما جمعهم في البدايات، بل صار يوزع عليهم شكّه بالتساوي.
الباب الثالث: مجلس الخوف، والوجوه التي اكتشفت فجأةً أن كل واحدٍ فيها يحمل مقبرةً للآخر
انعقد بعد ذلك بوقتٍ قصير مجلسٌ آخر، لكنه لم يكن مجلس تدبير، بل مجلس ارتباك.
كان في غرفةٍ ضيقة، ستائرها مسدلة، والوجوه فيه متعبة من السهر والريبة، لا من الندم.
فالندم لم يكن من معدنهم أصلًا، وإنما الذي أصابهم هو الخوف:
الخوف من الفضيحة،
من أن تنهار حلقةٌ فيتكشف ما وراءها،
من أن يسقط أحدهم في الطريق فيجرّ معه أسماءً وأسرارًا ومعاملاتٍ قديمة.
جلس العجوز الذي ظل سنوات يتصرف كأنه صاحب الخيوط كلها في صدر المكان، لكنه لم يكن يومئذٍ مهيبًا كما كان يدّعي، بل بدا كمن أثقلته الأيام حتى ظهر ضعفه على زاوية فمه المرتجفة.
قال وهو يحاول أن يستجمع نبرة السيطرة:
— لا تُكثروا من الوهم. ما مضى قد مضى.
فردت عليه امرأةٌ كانت تعرف من السرّ أكثر مما ينبغي:
— الذي مضى لا يمضي إذا عاد أهله إليه.
فقال بحدة:
— تقصدين ماذا؟
قالت:
— أقصد أن صفية الآن عند أبيها. لا عند أولئك الذين يمكن تخويفهم بشائعة أو ضغطهم بنظرة.
فساد صمتٌ ثقيل.
ثم قال رجلٌ آخر، كان في السابق أكثرهم تفاخرًا بقوته:
— نحن لا نخاف من امرأة.
فانفجرت ضحكةٌ قصيرة يابسة من زاوية المجلس، ثم قال صوتٌ خافت:
— لا… نحن نخاف من الحق إذا وقف خلفها.
وهذه الجملة كانت من تلك الجمل التي إذا نزلت على القوم أظهرت لهم ما فيهم من هشاشة.
فكل واحدٍ في المجلس كان يعرف أن دوره لم يكن بريئًا، وأنه لو وُضع وحده أمام الحقيقة فلن يقدر على حملها.
ثم بدأ الاتهام الصغير.
ولم يكن اتهامًا صريحًا في أول الأمر، بل أسئلةً ملفوفة، من نوع:
من الذي احتفظ بالرسائل؟
من الذي كلّم فلانًا دون علمنا؟
من الذي عاد إلى القرية القديمة أكثر من اللازم؟
من الذي صار كثير السؤال عن أخبار بخارستان؟
من الذي…؟
من الذي…؟
وكان السؤال الواحد في مثل هذه المجالس أشد من الطعنة، لأنه لا يجرح اللحم بل الثقة، والثقة إذا نزفت بين أهل الشر لم يبقَ لهم شيء.
خرجوا من المجلس وهم لم يتفقوا على شيء.
لكنهم خرجوا بشيءٍ أسوأ من الفشل:
خرجوا وهم يعرفون أن كل واحدٍ منهم يحمل مقبرةً للآخر في صدره.
الباب الرابع: المرأة التي خانت نفسها أولًا، فبدأت تتكلم أكثر مما يجب
كان بين الستة عشر امرأةٌ لم تكن من كبار الرؤوس، لكنها كانت من أوسعهم معرفةً بالتفاصيل الصغيرة.
من ذلك النوع الذي يمرّ بين البيوت، ويجمع الحكايات، ويحمل الرسائل، ويظن أن صغره يحميه من الحساب.
وكان أهل الشر قد استخدموها طويلًا لأنها خفيفة الحركة، ثقيلة اللسان على غيرها، خفيفة على نفسها.
لكن هذه المرأة، حين بدأ الخوف يأكل الحلقة، لم تعد تستطيع حمل السر كما كانت.
لا لأنها استيقظ ضميرها دفعةً واحدة، فمثل هذه الصحوات العظيمة نادرةٌ على من تربى على الظلمة، بل لأن قلبها ضاق بالخوف على نفسها.
والمذعور كثيرًا ما يفعل أشياء يظنها نجاة، وهي في الحقيقة أول الطريق إلى هلاكه.
بدأت تتكلم في غير موضع الكلام.
لا باعترافٍ كامل، بل بإشاراتٍ مبعثرة:
في مجلس نساءٍ عابر،
في شجارٍ مع قريبة،
في لحظة غضبٍ مع رجلٍ كان قد خدعها،
وفي زيارةٍ لامرأةٍ كبيرة ظنت أنها ستكسب ودّها بالتلميح إلى ما تعرف.
وكانت الإشارات في ظاهرها ناقصة، لكنها في عالم الأسرار كافيةٌ لإثارة الزلزلة.
فكل من سمع شيئًا منها ذهب إلى آخر، وكل من نقل الكلمة أضاف إليها من ظنه، حتى صارت النيران الصغيرة تخرج من المواضع التي لم يكن يُراد لها أن تُضاء أصلًا.
بلغ الخبر بعض أهل الحلقة، فجُنّ جنونهم.
استدعوها في لقاءٍ مرتبك، وأخذوا يضيقون عليها بالأسئلة.
قال لها واحدٌ منهم:
— ماذا قلتِ؟
قالت بتظاهرٍ رخيص للبراءة:
— لم أقل شيئًا.
فقال آخر:
— الكذب الآن لا ينفع.
فرفعت صوتها فجأةً، لا شجاعةً بل خوفًا:
— وأنتم؟ ألستُم مثلي؟ لماذا تريدونني أنا وحدي أن أحمل السواد كله؟
وكانت هذه أول مرة ينكشف فيها ما كان مختبئًا:
أنهم لا يرون أنفسهم جماعةً متساوية الذنب، بل كل واحدٍ منهم ينتظر اللحظة التي يدفع فيها غيره أمام السكين لينجو.
خرجت المرأة من اللقاء وهي تبكي، لكنها لم تبكِ على صفية، ولا على ما صنعته بسنوات امرأةٍ أُريد لها الخراب.
بكت على نفسها.
ولذلك لم تُفتح لها أبواب التوبة، بل فُتحت لها أبواب الهلع.
ولم تمضِ أسابيع حتى صارت مريضةَ النفس والجسد، تتقلب بين حمى واضطراب، وترى في نومها ما يخيفها، وتستيقظ مذعورةً من أسماءٍ تظن أنها تسمعها في العتمة.
كان الشر الذي حملته طويلًا قد بدأ يأكلها من الداخل، لا عقوبةً سحرية كما يحب بعض الناس أن يفسروا كل شيء، بل عقوبةُ قلبٍ عاش في العفن حتى إذا أحاط به الخوف لم يجد فيه موضعًا نظيفًا يلوذ إليه.
الباب الخامس: العجوز الذي ظن أن الزمن سيستره، فإذا بالزمن نفسه يشي به
أما العجوز الذي كان أصلًا في خلفيات المشهد القديم، والذي ظل يتصرف لسنوات كأنه حارس السرّ والآمر الناهي في طرقه السوداء، فقد كان أكثرهم غرورًا وأشدهم استهانةً بالعاقبة.
كان يظن أن العمر الطويل يشتري له حصانة، وأن الناس إذا سكتوا قديمًا سيبقون صامتين إلى آخر الدهر، وأن الأسرار إذا دُفنت في أماكن كثيرة يصعب نبشها.
لكنه لم يفهم أن الزمن لا يستر كل شيء، بل أحيانًا يترك الخيط يتمدد حتى يصير أشد وضوحًا.
بدأ ضعفه يظهر أولًا على طريقته في الكلام.
صار يكرر العبارات نفسها، ويتناقض في القصص التي يحكيها، ويغضب إذا سئل عن أمورٍ كان في السابق يجيب عنها بثقة.
ثم أصابه ما أصاب الطغاة الصغار في آخر أعمارهم:
الخوف من النوم.
كان يستيقظ ليلًا على فزعٍ لا يقدر أن يسميه.
يتخيل خطواتٍ في الفناء، ويرى في الظلام وجوهًا يعرف أنها غير موجودة، ويسمع من بعيد بكاء رضيع، فيقوم من فراشه نافضًا يديه كأنه يريد أن يطرد عن نفسه شيئًا عالقًا لا يُرى.
وذات ليلة، دخل عليه أحد أتباعه فوجده يجلس وحده في آخر المجلس، والمصباح قريب الانطفاء، وعيناه غائرتان في وجهه كأنهما لم تناما منذ أيام.
قال له الرجل:
— ما بك؟
فرد عليه العجوز بحدة:
— لا شأن لك.
لكن الرجل لم يخرج، بل قال:
— الناس تتكلم.
فرفع العجوز رأسه بسرعةٍ أفزعته هو قبل أن تفزع غيره، وقال:
— عن ماذا؟
قال الرجل:
— عن القديم.
قال:
— ومن الذي يفتح القديم؟
فقال الرجل في برودٍ مقصود:
— القديم لا يحتاج دائمًا إلى من يفتحه… أحيانًا يتعفن حتى يشق الغطاء وحده.
كانت هذه الجملة إهانةً خفية، لكنه لم يستطع أن يرد عليها بالقوة القديمة.
فهو نفسه كان قد بدأ يشعر أن الهواء من حوله يضيق، وأن الذين خدموه زمنًا لم يعودوا يهابونه كما كانوا.
ثم جاءت الضربة التي لم يتوقعها:
أحد أقرب الناس إليه في شبكته القديمة اختفى عنه أيامًا، ثم ظهر وقد صار يخالط خصومه، لا حبًا في الحق، بل لأن الطامعين يبدلون ولاءاتهم بسرعة إذا شمّوا رائحة السقوط.
وهنا فهم العجوز متأخرًا أن الزمن الذي كان يظنه درعًا صار عليه، وأن السرّ الذي عاش به قد يصير باب موته المعنوي.
ولم يطل به الأمر بعد ذلك.
ضعف، وذوى، وأصابه وهنٌ مركبٌ في النفس والجسد، ثم انطفأ كما تنطفئ المصابيح الخبيثة إذا نفد زيتها ولم يبقَ فيها نورٌ حقيقي من الأصل.
ولم يبكه أحد بصدق.
فالناس قد يخافون الشرير، لكنهم نادرًا ما يحبونه.
وكان موته من أول الدلالات على أن الحلقة السوداء بدأت تفقد رؤوسها.
الباب السادس: الأخت الكبرى، حين انقلب الحسد عليها وصارت مرآتها أشد أعدائها
وكان في هذه السلسلة امرأةٌ أخرى لا يمكن أن تُذكر الأحداث من دون أن يُشار إلى ما صنعه الحسد بها.
الأخت الكبرى، التي مرت في حياة صفية طويلًا كوجهٍ مزدوج:
يظهر من الخارج بما يشبه الحنان حين يحضر الناس،
ويخفي في الداخل سوادًا قديمًا،
ذلك السواد الذي يجعل الإنسان يختنق من نور غيره بدل أن يفرح له.
لم يكن حقدها من النوع الصاخب دائمًا، بل من النوع البارد المزمن؛
حقدٌ يتغذى من المقارنة،
من شعورها أن صفية، رغم ما مرت به، بقي فيها شيءٌ نقي لا تملكه هي،
ومن غيظها أن من أُريد لها أن تنكسر خرجت بعد كل شيء أصلب مما توقعت.
فلما بلغها أن صفية وصلت إلى أهلها، وأكرمها أبوها، وبنى لها الأرض، ثم حملت بعبدالملك، لم تحتمل الخبر على صورته الطبيعية.
لم ترَ فيه خبرًا عن امرأة نُصرت، بل رأت فيه فضيحةً لنفسها هي.
كأن قيام صفية كان سقوطًا لها، وكأن نجاتها كانت اتهامًا ضمنيًا لكل من شارك في خذلانها أو أذاها.
بدأت تتصرف باضطرابٍ عجيب.
مرةً تتظاهر بالهدوء الكامل، ومرةً تنفجر في خصامٍ لا علاقة له بالموضوع، ومرةً تكثر السؤال عن الأخبار حتى يفضحها فضولها، ومرةً تنعزل يومين أو ثلاثة ثم تعود بعينين محمرتين كأنها سهرت مع نفسها في محكمةٍ لا قاضٍ فيها إلا المرآة.
وفي مجلسٍ نسائيٍّ عابر، امتدحت امرأةٌ غائبة صفية من غير أن تقصد الطعن في أحد، فقالت فقط:
— سبحان الله، يبدو أن الله كتب لتلك المرأة فرجًا كبيرًا.
فلم تتمالك الأخت الكبرى نفسها، وقالت بحدة:
— بعض الناس يعرفون كيف يمثلون الطهر.
فساد المجلس لحظة.
لأن الجملة في ظاهرها عابرة، لكنها في باطنها كانت اعترافًا بأن في القائل شيئًا محروقًا.
رجعت إلى بيتها يومئذٍ وهي في غاية الاضطراب.
وقفت أمام المرآة طويلًا.
وكانت هذه من المرات النادرة التي ترى فيها الإنسانة وجهها كما هو:
لا التبرير الذي تعيش به،
ولا القصص التي تحكيها للناس،
بل صورتها حين تنفض عنها الزينة الاجتماعية كلها.
قالت لنفسها، لا توبةً بل خوفًا:
— لماذا لم تنتهِ؟
وكان السؤال موجعًا؛ لأن وراءه اعترافًا مخفيًا بأنها كانت تنتظر فعلًا أن تنتهي صفية، وأن لا تقوم لها قائمة.
لكن المرايا لا ترحم.
فكلما حدقت في وجهها أكثر، رأت أن الذي انتهى حقًا لم يكن صفية، بل بقية السلام في نفسها.
ولذلك لم يكن سقوطها سريعًا كالسقوطات الأخرى، بل كان بطيئًا، أشبه بتآكلٍ داخلي.
علاقاتها تفسخت،
صارت محل ريبة من بعض من كانوا حولها،
واشتد بها التوتر حتى غدت سجينة عصبيتها،
ثم راحت تعيش في دوامةِ خصوماتٍ ومراراتٍ صغيرة أكلت ما بقي لها من اتزان.
وكانت هذه واحدة من العدالات الخفية في الدنيا:
أن من يعش طويلًا على مقارنة نفسه بغيره يفقد في النهاية القدرة على احتمال صورته.
الباب السابع: الرجل الذي أراد أن يبيع الجميع لينجو، فكان أول من خسر ثمنه
وفي الحلقة رجلٌ لم يكن أذكى القوم، لكنه كان أشدهم يقينًا بأنه أذكاهم.
من أولئك الذين يظنون أن الحياة صفقةٌ طويلة، وأن النجاة ليست في الحق، بل في اختيار اللحظة المناسبة لبيع الشريك قبل أن يبيعك.
وكان هذا الرجل قد جمع من الأسرار ما يجعله خطرًا على الجميع، لكنه لم يجمع من الشرف ما يجعله يحفظها لوجهٍ غير مصلحته.
حين رأى المجلس يتفكك، والنساء يتكلمن، والعجوز يضعف، والأخت الكبرى ترتبك، قال في نفسه:
هذه فرصتي.
بدأ يلمّح من بعيد إلى أنه مستعد لقول شيءٍ إن احتاج الأمر، لكنه كان يريد أن يشتري بهذا التلميح أمانًا لنفسه أولًا، ومالًا ثانيًا، ومخرجًا ثالثًا.
ولذلك راح يتقرب من بعض الأطراف بكلامٍ مزدوج، لا هو اعترافٌ صريح، ولا هو وفاءٌ لأهل حلقته.
لكن من باع مرةً لا يُشترى بثقة.
وقد أخطأ حين ظن أن الجميع مثله في سذاجة الحساب.
دعاه اثنان ممن بقي من أهل الشر إلى لقاءٍ هادئ في ظاهرِه، وقالا له إنهما يريدان أن “يرتبا الأمور”.
فذهب مزهوًا بما يظن أنه دهاء.
وجلس معهم، ثم قال من أول الحديث كلامًا ملتوياً عن ضرورة “التخفف من الأثقال” و”إنقاذ ما يمكن إنقاذه” و”ألا يضحي الإنسان بنفسه لأجل أحد”.
وكان يقصد بالطبع أن أول ما ينبغي التخلي عنه هم الآخرون.
فنظر أحد الرجلين إليه طويلًا، ثم قال:
— إذن فأنت مستعد لبيع الجميع؟
فقال، وقد ظن أنه يُظهر حكمة:
— الحكيم لا يغرق مع السفينة.
فقال الثاني ببرود:
— لكن الحكيم لا يعلن على ظهرها أنه أول الهاربين.
ومنذ تلك اللحظة، عُزل عنهم.
لم يعودوا يثقون به، ولم تعد الجهات الأخرى تثق به أيضًا، لأنه اشتهر بأنه رجلٌ يبيع الشركاء.
فصار منبوذًا من الفريقين معًا، وتلك إحدى النهايات التي يستحقها الطامعون:
أن لا يجدوا بعد طول الحيلة موضعًا يقف معهم حين يسقطون.
ثم خسر ما كان عنده من مالٍ في معاملةٍ فاسدة أخرى، وافتضح في شأنٍ صغير كان يظنه غير مهم، وتفرق عنه من كان يدورون في فلكه، فجلس في آخر المطاف يعدّ خسائره وحده.
وكانت أقسى خسائره أنه لم ينجُ حتى بالمنطق الذي اختاره.
فقد أراد النجاة بالخيانة، فضاعت عليه النجاة والخيانة معًا.
الباب الثامن: صفية في الجهة الأخرى… كيف كان النور يشتد كلما اشتدت عليهم الظلمة
وفي الجهة الأخرى من الرواية، بعيدًا عن مجالسهم المعتمة، كانت صفية لا تعرف التفاصيل كلها، لكنها كانت تشعر أن شيئًا ما يخفّ عنها.
ليس لأنها نسيت الماضي، ولا لأن الرؤى أزالت من نفسها كل أثرٍ للمعركة القديمة، بل لأن الحمل نفسه كان يبدل مناخ القلب.
كانت في بخارستان أولًا، ثم في المدينة، بين بيتٍ يُبنى، وأهلٍ يُضمون، وأمّين تظلانها، وزوجٍ يزداد التصاقًا بها، ومسجدٍ وُضع أساسه، ودعواتٍ كثيرة ترتفع من قلوبٍ صادقة حولها.
وكان هذا كله، في ميزان المعنى، حصنًا من نوعٍ آخر.
فالشر لا يضعف فقط حين يفتضح أهله، بل يضعف أيضًا حين يعجز عن اختراق الجو الجديد الذي أحاطت به الرحمة شخصًا ما.
وفي ليلةٍ من ليالي بخارستان، قبل السفر إلى المدينة بأسابيع، استيقظت صفية من نومها وقد رأت في منامها خيطًا أسود طويلًا معلقًا بين شجرتين يابستين.
وكان الخيط يتحرك في الهواء باضطرابٍ كأنه يريد التماسك، ثم جاءت يدٌ لا ترى صاحبها فقطعته، فسقط طرفاه على الأرض وتحولا إلى رمادٍ خفيف حمله الريح.
فلما قصّت رؤياها على سعيد، سكت لحظةً ثم قال:
— لعله خيرٌ يسبقنا.
قالت:
— شعرتُ وأنا أراه أن شيئًا قديمًا ينتهي.
فقال:
— إذا أراد الله أن يطهر طريقًا لعبدٍ أو لنسلٍ، قطع الخيط من أصله.
الخيط الأسود الذي انقطع قبل الولادة.
ثم سافرت إلى المدينة، واشتد حملها، وكانت بين الألم والسكينة، لكن في داخلها شيءٌ يقول إن الظل الذي لازمها طويلًا بدأ يتراجع.
وكانت مريم تلاحظ هذا ولا تسميه.
ترى في وجه ابنتها راحةً لم تكن فيه من قبل، وتقول في سرها:
لقد خفَّ حملٌ آخر غير الذي في بطنها.
أما سعيد، فكان كلما نظر إليها أحس أن المعركة القديمة صارت خلفهما أكثر مما كانت، وأن ما بقي منها ليس إلا ذيولًا ترتجف قبل أن تموت.
وهكذا كان النور، في الجهة التي فيها صفية، يشتد ويصفو، بينما كان الظلام، في الجهة الأخرى، يختنق بأهله.
وهذا من سنن الله التي لا تخطئها الروايات الصادقة:
أن الحق قد لا ينتصر دائمًا بضربةٍ واحدة،
لكنه إذا ثبت، جعل الباطل يتفكك من داخله.
الباب التاسع: السقوط الأخير… حين صاروا يعدّون الغائبين أكثر مما يعدّون الخطة
ومع تقدم حمل صفية، واقتراب موعد عودتها إلى المدينة ثم ولادتها، كانت الحلقة السوداء قد دخلت طورها الأخير.
لم يعد بينهم من يفكر حقًا في خطةٍ جديدة، لأن الخوف أضعف من أن يبني، وإن كان قويًا في الهدم.
صاروا يعدّون الغائبين:
فلانٌ انقطع،
وفلانة سقطت في مرضها واضطرابها،
والعجوز ذوى وانطفأ،
والأخت الكبرى صارت مشغولة بحربها مع نفسها والناس،
وذاك الرجل خسر الجميع،
وآخرون تفرقوا، أو هربوا، أو خافوا أن يقتربوا من الماضي أصلًا.
وفي لقاءٍ أخير جمع ما تبقى منهم، لم يعد المجلس يشبه المجالس الأولى.
كان أقل عددًا، وأخفض صوتًا، وأشد بؤسًا.
لا وجوه المنتصرين، ولا نبرة الواثقين، ولا حتى تكلف القوة الذي كانوا يحسنونه.
فقط بشرٌ أكلتهم نياتهم.
قال واحدٌ منهم، وكان يبدو أكبر من عمره بعشر سنين من أثر الرعب:
— انتهى الأمر.
فقال آخر بحدةٍ خافتة:
— لا تقل هذا.
قال الأول:
— بل أقول الحقيقة. انتهى الأمر يوم صارت بين أهلها، ثم صار لها بيت، ثم حملت. نحن الآن لا نفعل شيئًا إلا انتظار ما سيقع علينا.
فقال ثالث، وقد خارت مقاومته:
— إذن ليذهب كلٌّ في حاله.
وهذه الجملة كانت شهادة الوفاة الحقيقية.
لأن الجماعة التي تُبنى على الشر تموت حين يتخلى أفرادها عن وهم “النحن”.
فما الذي بقي بعد أن صار كل واحدٍ يريد النجاة وحده؟
لا شيء.
خرجوا متفرقين.
ولم يجتمعوا بعد ذلك اجتماعًا يملك أثرًا.
بعضهم مات قبل أن يفهم كيف انكسر،
وبعضهم عاش بقية عمره كسير الروح مطاردًا بما يعرف،
وبعضهم ذاب في حواشي الحياة حتى لم يعد يُذكر إلا على هيئة مثالٍ سيئ،
وبعضهم أصابه من الفضيحة ما يكفيه.
لكن الجامع بينهم واحد:
أنهم لم يبقوا قوةً قائمة.
وهكذا، بينما كانت صفية تدخل ليل المدينة لتلد عبدالملك، كان أولئك الستة عشر قد دخلوا ليلهم الأخير كحلقة.
لم يبقَ منهم جيشُ ظلّ، ولا تدبيرُ أذى، ولا مجلسُ كيد.
صاروا بقايا متفرقة، يختلفون، ويتآكلون، وينطفئون.
أن الخلافات تنشب بينهم أثناء حمل صفية بعبدالملك، وأنهم يتساقطون واحدًا بعد آخر، حتى تنتهي العصابة كلها قبل ولادته.
الباب العاشر: الطريق الذي نُظِّف للولد الأول
لذلك لم يكن خروج عبدالملك إلى الدنيا مجرد ولادة طفلٍ أول في بيتٍ استردّ النسب والحب والأرض.
بل كان أيضًا ولادةً على طريقٍ نُظِّف قبله.
كأن الله لم يشأ أن يضع أول قدمٍ من أقدام السلالة المقبلة في دنيا ما يزال فيها الخيط الأسود مشدودًا كما كان،
بل شاء أن ينقطع أولًا،
أن تتفكك اليد التي حاكته،
أن يأكل الشر أهله،
وأن يصل الوليد إلى عالمٍ بدأ يتنفس بعد اختناقٍ طويل.
وفي تأمل هذا المعنى شيءٌ عظيم:
فعبدالملك، الذي سيكبر لاحقًا على الفروسية والهيبة والعدل، لم يبدأ رحلته في جوٍّ محايد،
بل بدأها بعد تطهيرٍ سابق،
بعد أن انكسرت الحلقة التي أرادت قبل سنوات أن لا تصل أمه أصلًا إلى اسمها، فضلًا عن أن تصل إلى أمومتها.
ولذلك، حين حمله سعيد بين يديه أول مرة، لم يكن يعلم تفاصيل ما جرى في تلك الجهة المظلمة، لكنه كان يشعر بشيءٍ قريب منه.
يشعر أن الهدوء الذي نزل على البيت ليس هدوء ولادة فقط، بل هدوء انقضاء معركةٍ أيضًا.
وكانت صفية، وهي تضم ولدها، تحس ذلك من غير أن تترجمه كله:
أن شيئًا قديمًا انتهى،
وأن هذا الطفل لم يأتِ ومعه عبءُ الحلقة السوداء،
بل جاء بعدها.
وهكذا يغلق هذا الفصل بابه لا على انتصارٍ صاخب، بل على عدالةٍ هادئة:
لم تذهب صفية لتثأر بيدها،
ولم تحتج أن تتعقب كل خصمٍ في مخبئه،
ولم ينتصر بيتها بأن صار أشد بطشًا من أعدائه،
بل انتصر لأن الله ثبّت ما فيه من حق، ثم ترك الباطل يتفكك بأهله.