في الشهور الأولى من حمل صفية بعبدالملك، لم يكن الخبر الذي أفزع أهل الشر أنها حملت فقط.
فالحمل في ذاته، عند العيون البعيدة، قد يبدو خبرًا عائليًا لا يزيد على أن بيتًا ثبت وأن نسلًا بدأ.
لكنهم، بما فيهم من قسوةٍ خبيرة، فهموا ما لم يفهمه غيرهم:
أن الحمل الأول ليس حملًا فقط، بل إعلانُ رسوخ.
فالمرأة التي أنجبت بدأت تخرج من طور الدفاع عن وجودها إلى طور الامتداد، والرجل الذي سيصير أبًا يشتد تعلقه ببيته، والعائلة التي تحتضن هذا الحمل تتحول إلى جدارٍ أشد صلابة.
وكان هذا آخر ما يريدونه.
بدأ الخبر يصلهم متقطعًا، لا من جهةٍ واحدة، بل من جهاتٍ عدة:
صفية وصلت إلى أهلها الحقيقيين،
بيت بخارستان استقبلها،
أبوها تقي الدين لم يكتفِ بالبكاء والاحتضان، بل ثبّت لها موضعًا في الأرض،
المزرعة بدأت تُبنى،
المسجد وضع أساسه،
أم سعيد لحقت بهم،
والمرأة التي أُريد لها أن تبقى طريدةً في القرى الضيقة صارت الآن في بيتٍ يتسع لها ولولدها القادم.
عند هذه النقطة، لم يعد الخوف عندهم من صفية وحدها، بل من المعنى الذي صار خلفها.
لقد كانت يومًا امرأةً تُهاجَم من بيتٍ ضعيف، وتُضغط من جهاتٍ متفرقة، وتُرمى بالشكوك، ويُستغل عليها مرضها ورؤاها وغربتها.
أما الآن، فقد أصبحت ابنة تقي الدين، وزوجة سعيد، وأمًّا لحملٍ أول، ومسنودةً بأهلٍ وعقارٍ وبيتٍ ومسجدٍ وروايةٍ بدأت تستعيد سردها الصحيح.
قال واحدٌ منهم، وكان من أكثرهم هلعًا وأقلهم صبرًا، في مجلسٍ صغير عُقد على عجل:
— الأمر لم يعد كما كان.
فرد عليه آخر بسخريةٍ مريرة:
— وهل كنت تظن أنها ستبقى مكسورة إلى الأبد؟
قال الأول:
— لم أقل هذا… لكنني أقول إن الخيوط بدأت تنكشف.
قال ثالثٌ، وهو رجلٌ من أولئك الذين لا يعرفون الولاء إلا لمصالحهم:
— الخطر ليس في انكشاف الخيوط كلها… الخطر في أن ينكشف بعضها على من لا يحتمل.
وهنا دخلت الكلمة الأولى التي شقّت الجدار:
من الذي قد يبيعنا؟
كانت الجلسة كلها قبل هذه الجملة تقوم على الرغبة في النجاة الجماعية.
لكن ما إن خرج السؤال إلى الهواء حتى فقد الجمع وحدته.
لأن كل نفسٍ فاسدة تعرف أن الفاسدين مثلها لا يُؤمن جانبهم.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الشيطان يجمعهم كما جمعهم في البدايات، بل صار يوزع عليهم شكّه بالتساوي.