باب من الرواية

الباب الثامن: صفية في الجهة الأخرى… كيف كان النور يشتد كلما اشتدت عليهم الظلمة

الفصل الحادي والعشرون — الخيط الأسود الذي انقطع قبل الولادة

وفي الجهة الأخرى من الرواية، بعيدًا عن مجالسهم المعتمة، كانت صفية لا تعرف التفاصيل كلها، لكنها كانت تشعر أن شيئًا ما يخفّ عنها.

ليس لأنها نسيت الماضي، ولا لأن الرؤى أزالت من نفسها كل أثرٍ للمعركة القديمة، بل لأن الحمل نفسه كان يبدل مناخ القلب.

كانت في بخارستان أولًا، ثم في المدينة، بين بيتٍ يُبنى، وأهلٍ يُضمون، وأمّين تظلانها، وزوجٍ يزداد التصاقًا بها، ومسجدٍ وُضع أساسه، ودعواتٍ كثيرة ترتفع من قلوبٍ صادقة حولها.

وكان هذا كله، في ميزان المعنى، حصنًا من نوعٍ آخر.

فالشر لا يضعف فقط حين يفتضح أهله، بل يضعف أيضًا حين يعجز عن اختراق الجو الجديد الذي أحاطت به الرحمة شخصًا ما.

وفي ليلةٍ من ليالي بخارستان، قبل السفر إلى المدينة بأسابيع، استيقظت صفية من نومها وقد رأت في منامها خيطًا أسود طويلًا معلقًا بين شجرتين يابستين.

وكان الخيط يتحرك في الهواء باضطرابٍ كأنه يريد التماسك، ثم جاءت يدٌ لا ترى صاحبها فقطعته، فسقط طرفاه على الأرض وتحولا إلى رمادٍ خفيف حمله الريح.

فلما قصّت رؤياها على سعيد، سكت لحظةً ثم قال:

— لعله خيرٌ يسبقنا.

قالت:

— شعرتُ وأنا أراه أن شيئًا قديمًا ينتهي.

فقال:

— إذا أراد الله أن يطهر طريقًا لعبدٍ أو لنسلٍ، قطع الخيط من أصله.

الخيط الأسود الذي انقطع قبل الولادة.

ثم سافرت إلى المدينة، واشتد حملها، وكانت بين الألم والسكينة، لكن في داخلها شيءٌ يقول إن الظل الذي لازمها طويلًا بدأ يتراجع.

وكانت مريم تلاحظ هذا ولا تسميه.

ترى في وجه ابنتها راحةً لم تكن فيه من قبل، وتقول في سرها:

لقد خفَّ حملٌ آخر غير الذي في بطنها.

أما سعيد، فكان كلما نظر إليها أحس أن المعركة القديمة صارت خلفهما أكثر مما كانت، وأن ما بقي منها ليس إلا ذيولًا ترتجف قبل أن تموت.

وهكذا كان النور، في الجهة التي فيها صفية، يشتد ويصفو، بينما كان الظلام، في الجهة الأخرى، يختنق بأهله.

وهذا من سنن الله التي لا تخطئها الروايات الصادقة:

أن الحق قد لا ينتصر دائمًا بضربةٍ واحدة،

لكنه إذا ثبت، جعل الباطل يتفكك من داخله.