كان بين الستة عشر امرأةٌ لم تكن من كبار الرؤوس، لكنها كانت من أوسعهم معرفةً بالتفاصيل الصغيرة.
من ذلك النوع الذي يمرّ بين البيوت، ويجمع الحكايات، ويحمل الرسائل، ويظن أن صغره يحميه من الحساب.
وكان أهل الشر قد استخدموها طويلًا لأنها خفيفة الحركة، ثقيلة اللسان على غيرها، خفيفة على نفسها.
لكن هذه المرأة، حين بدأ الخوف يأكل الحلقة، لم تعد تستطيع حمل السر كما كانت.
لا لأنها استيقظ ضميرها دفعةً واحدة، فمثل هذه الصحوات العظيمة نادرةٌ على من تربى على الظلمة، بل لأن قلبها ضاق بالخوف على نفسها.
والمذعور كثيرًا ما يفعل أشياء يظنها نجاة، وهي في الحقيقة أول الطريق إلى هلاكه.
بدأت تتكلم في غير موضع الكلام.
لا باعترافٍ كامل، بل بإشاراتٍ مبعثرة:
في مجلس نساءٍ عابر،
في شجارٍ مع قريبة،
في لحظة غضبٍ مع رجلٍ كان قد خدعها،
وفي زيارةٍ لامرأةٍ كبيرة ظنت أنها ستكسب ودّها بالتلميح إلى ما تعرف.
وكانت الإشارات في ظاهرها ناقصة، لكنها في عالم الأسرار كافيةٌ لإثارة الزلزلة.
فكل من سمع شيئًا منها ذهب إلى آخر، وكل من نقل الكلمة أضاف إليها من ظنه، حتى صارت النيران الصغيرة تخرج من المواضع التي لم يكن يُراد لها أن تُضاء أصلًا.
بلغ الخبر بعض أهل الحلقة، فجُنّ جنونهم.
استدعوها في لقاءٍ مرتبك، وأخذوا يضيقون عليها بالأسئلة.
قال لها واحدٌ منهم:
— ماذا قلتِ؟
قالت بتظاهرٍ رخيص للبراءة:
— لم أقل شيئًا.
فقال آخر:
— الكذب الآن لا ينفع.
فرفعت صوتها فجأةً، لا شجاعةً بل خوفًا:
— وأنتم؟ ألستُم مثلي؟ لماذا تريدونني أنا وحدي أن أحمل السواد كله؟
وكانت هذه أول مرة ينكشف فيها ما كان مختبئًا:
أنهم لا يرون أنفسهم جماعةً متساوية الذنب، بل كل واحدٍ منهم ينتظر اللحظة التي يدفع فيها غيره أمام السكين لينجو.
خرجت المرأة من اللقاء وهي تبكي، لكنها لم تبكِ على صفية، ولا على ما صنعته بسنوات امرأةٍ أُريد لها الخراب.
بكت على نفسها.
ولذلك لم تُفتح لها أبواب التوبة، بل فُتحت لها أبواب الهلع.
ولم تمضِ أسابيع حتى صارت مريضةَ النفس والجسد، تتقلب بين حمى واضطراب، وترى في نومها ما يخيفها، وتستيقظ مذعورةً من أسماءٍ تظن أنها تسمعها في العتمة.
كان الشر الذي حملته طويلًا قد بدأ يأكلها من الداخل، لا عقوبةً سحرية كما يحب بعض الناس أن يفسروا كل شيء، بل عقوبةُ قلبٍ عاش في العفن حتى إذا أحاط به الخوف لم يجد فيه موضعًا نظيفًا يلوذ إليه.