الفصل الثامن عشر

الفصل الثامن عشر — الطريق إلى بخارستان

من الليلة التي سبق فيها القلبُ الخطوة، إلى اللحظة التي صار فيها الاسم أقرب من الدمع

الباب الأول: الليلة التي تمدد فيها القلق بين القلب والنافذة

لم تكن تلك الليلة شبيهة بغيرها من الليالي التي مرّت على صفية منذ زواجها بسعيد، ولا حتى شبيهة بالليالي الثقيلة التي عاشتها في مراحل المرض والرؤى والعلاج والانتظار.

كانت ليلةً تختلف في مادتها نفسها، كأن الساعات فيها لم تُخلق من الزمن، بل من الرجفة.

كل دقيقةٍ فيها كانت تمشي على مهل، لكنها تمشي محمّلةً بما لا تطيقه الدقائق عادة: احتمال أن ترى أمها بعد غيابٍ لم تعشه الأم وحدها، بل عاشته الابنة أيضًا من غير أن تعرف اسمه كاملًا، واحتمال أن ترى أباها، لا بوصفه صورة بعيدة في الحكايات، بل بوصفه رجلًا من لحمٍ ودمٍ، له صوتٌ، وله عينان، وله يدان يمكن أن تلامسا وجهها أخيرًا.

جلست صفية قرب النافذة، وقد تركت المصباح الخافت مضاءً في طرف الغرفة، كأنها تخاف إن أطفأته أن تنفرد بها الأفكار أكثر مما تحتمل.

كانت الحقيبة الصغيرة عند الباب، جاهزةً للسفر، ولكنها لم تكن ترى فيها ثيابًا وأوراقًا فحسب، بل كانت ترى فيها عمرًا بأكمله مطويًا على هيئة غدٍ واحد.

أما سعيد، فكان يراجع تفاصيل الطريق للمرة الثالثة.

لا لأنه نسيها، ولا لأن الأمر يستدعي كل هذا التدقيق، بل لأن الرجل حين يعجز عن تهدئة من يحب، يفتش عن عملٍ يفعله بيديه حتى لا يشعر بالعجز كاملًا.

كان ينظر في الأوراق، ثم يعيد ترتيبها، ثم يقف، ثم يعود فيجلس، ثم يلتفت إليها فلا يجد وجهها في الغرفة، بل يجد روحها في مكانٍ أبعد من الجدران.

قال لها وهو يقترب برفق:

— لم تنامي؟

ابتسمت ابتسامةً صغيرة متعبة، وقالت:

— أظن أن النوم الليلة خاف مني.

جلس قبالتها، ثم نظر قليلًا إلى النافذة، كأنه يريد أن يشاركها المشهد قبل أن يشاركها الكلام.

قال:

— ليس الطريق هو الذي يخيفك.

قالتها عيناها قبل لسانها: نعم.

فأكمل:

— أنتِ تخافين من لحظة الباب.

هنا انخفضت عينها قليلًا، ومرّت يدها على طرف ثوبها في حركةٍ لا تصدر إلا عن قلبٍ لم يعد يعرف أين يضع ارتجافه.

قالت بصوتٍ هادئ مكسور:

— أخاف أن أصل، ثم أعجز عن الكلام. أخاف أن أراهم، فأصير أصغر من أن أقول شيئًا. أخاف أن يسبق البكاء اسمي.

فقال سعيد:

— دعيه يسبق.

ثم مال نحوها قليلًا وأضاف:

— الاسم الذي خرج من قلبك بعد هذا العمر، لا يحتاج إلى فصاحة. يكفي أن يخرج صادقًا.

وسكتت صفية لحظةً، ثم قالت:

— أحيانًا أشعر أنني ذاهبة لأطرق باب حياتي كلها، لا باب بيت.

فقال:

— وهذا صحيح.

كانت هذه من الجمل القليلة التي إذا قيلت في لحظتها لم تُطفئ النار، لكنها منعت الروح من أن تحترق وحدها.

فأغمضت عينيها، واستندت إلى حافة المقعد، وفي داخلها كانت طفلةٌ لا تزال تركض في ليل القرية القديمة وهي لا تعرف لماذا كانت تشعر كلما نظرت إلى وجهٍ من الوجوه أنها ابنة مكانٍ آخر.

وفي آخر الليل، قامت فصلّت طويلًا، لا على هيئة من يؤدي فرضًا وحسب، بل على هيئة من يضع خوفه كله في السجود.

وكانت كل سجدة تقول فيها جملةً واحدة تتكرر كأنها تعويذةُ نجاة:

يا رب، لا تجعل هذا الجبر ناقصًا.

الباب الثاني: استعدادات الرحيل، وما قالته الأشياء الصغيرة قبل أن يقول الناس كلماتهم

حين أقبل الفجر، بدا البيت كأنه يستيقظ على خبرٍ يعرف أهميته، وإن لم يفهمه.

الكوب الموضوع على الطاولة، المعطف المعلّق قرب الباب، المصحف الصغير الذي وضعته صفية في حقيبتها، حتى الساعة نفسها بدت كأنها تنظر إليهما بجديةٍ لم تكن فيها من قبل.

وقفت صفية أمام المرآة.

لم تكن تتزين تزين امرأةٍ خارجةٍ إلى مناسبة، بل كانت ترتب ملامحها كما يرتب الناس كلماتهم قبل المثول بين يدي قاضٍ عظيم.

وتأملت وجهها طويلًا.

رأت فيه شيئًا من تعب السنوات، نعم، ورأت فيه أثر الحروب التي خاضتها وحدها قبل أن يأتي سعيد، لكنها رأت أيضًا شيئًا جديدًا، شيئًا لا يشبه الانكسار القديم: وقار امرأةٍ بدأت تعرف أن الله لم يكن يؤخر المعاني الكبيرة عبثًا.

دخل سعيد، فرآها واقفةً أمام المرآة، فقال بمزاحٍ خفيف أراد به أن يسرق من قلبها شيئًا من التوتر:

— أأنتِ ذاهبة إلى لقاء أم إلى معركة؟

فنظرت إليه من خلال المرآة وقالت:

— إلى شيءٍ بينهما.

فضحك ضحكةً قصيرة، ثم قال:

— إذن خذي معكِ قلبًا ثابتًا وسيفًا من دعاء.

وفي أثناء ترتيبهما للأمتعة، وقعت من بين الأوراق ورقةٌ قديمة كانت صفية قد كتبت فيها قبل أشهر خواطر مبعثرة عن الاسم والرؤى والخوف من اليأس.

التقطتها، وأرادت أن تضعها جانبًا، لكن سعيد أخذها وقرأ سطرًا منها بصوتٍ خافت:

— “أخاف أن أصل متأخرةً إلى الحقيقة.”

ثم رفع رأسه إليها وقال:

— لم تصلي متأخرة. أنتِ تصلين في الوقت الذي فتحه الله.

هنا سكتت، لكن عينها امتلأت بدمعةٍ لم تسقط.

وفي ذلك الصباح، أدركت أن الرحلات الكبرى لا تبدأ حين تتحرك السيارة أو تقلع الطائرة، بل تبدأ حين يقال في البيت أول كلامٍ يربت على القلب قبل الطريق.

وقبل خروجهما بدقائق، جاءت جارةٌ كبيرة السن تسأل عن سبب هذا السفر المبكر، وكانت امرأة طيبة من اللواتي يملكن فطرةً تتعقب الحزن والفرح في الوجوه.

فلما نظرت إلى صفية، قالت بلا مقدمات:

— هذا سفرٌ ليس بعده رجوع كما قبله.

تعجبت صفية من العبارة، فقالت المرأة:

— لا أقصد أنك لن ترجعي إلى بلدك، بل أقصد أنك سترجعين وأنتِ غير المرأة التي خرجت الآن.

ولم تعرف صفية ماذا تقول.

أما سعيد فشكرها، ومضيا.

وظلت الجملة تمشي مع صفية في الطريق الأول:

سترجعين وأنتِ غير المرأة التي خرجت الآن.

الباب الثالث: الطريق إلى المطار، والمدينة التي بدت بعيدة وهي تحت عينيها

كانت المدينة في ذلك الصباح تمارس حياتها العادية ببرودةٍ تكاد تكون جارحةً لمن يحمل في قلبه زلزالًا.

الناس يعبرون الأرصفة، المحال تُفتح، السيارات تتدفق، والوجوه متشابهة في انشغالها.

لكن صفية كانت ترى كل ذلك كمن يراه من وراء زجاجٍ سميك؛ حاضرًا لكنه بعيد، متحركًا لكنه لا يمسها.

في السيارة، جلست قرب النافذة، وكانت تتابع الأبنية وهي تمرّ، ثم تغيب، ثم تأتي بدلها أبنية أخرى، كأن العالم يريد أن يذكّرها بحقيقته البسيطة: أن كل شيء يمضي.

غير أن ما كان يمضي داخلها لم يكن أبنيةً ولا شوارع، بل مراحل كاملة من حياتها.

رأت في خيالها نفسها طفلةً في البيت الأول، تحمل جرّة الماء الصغيرة، وتتعثر في طرف الساحة الترابية، ثم ترفع رأسها لترى امرأةً ربّتها، فتجد في قلبها محبةً ممزوجةً بحيرة.

ثم رأت نفسها شابةً تدخل زواجًا كسيرًا، وتخرج منه وكأنها تحمل على ظهرها أعمارًا لا عامًا أو عامين.

ثم رأت نفسها في بيت سعيد، تحاول أن تعيد ترتيب روحها، فإذا بالحرب الخفية تشتعل عليها من جديد.

ثم الرؤى، ثم القرآن، ثم العلاج، ثم الاسم.

وها هي الآن في الطريق إلى الموضع الذي سيجعل هذه الخيوط كلها تنعقد في عقدةٍ واحدة.

أحست بيد سعيد على يدها.

لم يقل شيئًا أول الأمر.

ثم قال وهو ينظر إلى الطريق:

— لم أركِ يومًا هكذا.

قالت:

— كيف؟

قال:

— كأنكِ تمشين وفي داخلكِ ألف باب مفتوح.

ابتسمت على رغم اضطرابها، وقالت:

— لأنني ذاهبة إلى الباب الذي يقف وراءه الجميع.

ثم سكتت، وأضافت بعد لحظة:

— أتظن أنهم كانوا يشعرون بي طوال هذه السنين؟

فقال:

— الأم تشعر بابنتها ولو ضاعت عنها الجهات. والأب… أحيانًا يسكت الرجال عن أوجاعهم، لكن السكوت لا يعني الغياب.

وهذا الكلام، على بساطته، كان يكفي ليحفظ المعنى من السقوط.

فأراحت رأسها قليلًا، وتركت المدينة وراءها، وهي تشعر أن الرحيل الحقيقي لم يبدأ من هنا، بل من يوم بدأت الحقيقة تتسلل إلى قلبها حتى صارت الآن أكبر من أن تبقى مؤجلة.

الباب الرابع: في صالة السفر… حكاية الطفل الذي أضاع أمَّه، وحكاية صفية التي أضاعت عمرها ثم وجدته

كانت صالة السفر مكتظةً على نحوٍ يجعل المرء يشعر بأن العالم كله عبارة عن فراقات صغيرة متجاورة.

ناسٌ يعانقون، وآخرون يودعون، وموظفون ينادون، وحقائب تجرّها أيادٍ مستعجلة، وأصواتٌ تختلط فيها اللغات واللهجات والوجوه والجهات.

وفي أثناء انتظارهما، وقع بصر صفية على طفلٍ صغير كان يبكي قرب أحد المقاعد.

لم يكن بكاؤه صاخبًا، بل بكاءً متقطعًا خائفًا، يشبه بكاء من لم يفهم بعد كيف تختفي الأشياء التي يحبها من أمام عينيه.

تقدمت إليه صفية، وانحنت على ركبتيها، وقالت برفق:

— ماذا بك يا صغيري؟

قال وهو يمسح دموعه بكمّ قميصه:

— ضاعت أمي.

وشعرت صفية كأن الجملة أصابتها في موضعٍ خفي من صدرها.

لم تقل للطفل ما يخطر على بال الناس عادةً من عبارات التهدئة الجاهزة، بل قالت له بصوتٍ امتلأ بشيءٍ من نفسها:

— الأمهات لا يضعن حقًا. أحيانًا يبتعدن قليلًا، لكن الله يعيدهن.

وفي هذه اللحظة جاءت امرأةٌ تركض مذعورة، فلما رأت الطفل احتضنته، وأخذت تقبّل رأسه ووجهه وهي تكاد تبكي أكثر منه.

وقف المشهد كله أمام صفية كعلامةٍ صغيرة في الطريق الكبير.

ثم التفتت إلى سعيد وقالت:

— رأيت؟ حتى الأطفال يعرفون أن ضياع الأم ليس أمرًا بسيطًا.

قال:

— لذلك فإن العثور عليها ليس أمرًا بسيطًا أيضًا.

وظلت صورة الطفل في خاطرها.

شعرت لوهلةٍ أن الله وضعه في طريقها كي ترى مشهدًا مصغرًا من حكايتها كلها: طفلٌ يظن أنه ضاع، وأمٌّ تكاد تموت هلعًا، ثم يلتقيان في لحظةٍ ينهار فيها الخوف دفعةً واحدة.

وفي زاويةٍ أخرى من الصالة، كان شيخٌ مسن يقرأ في مصحفٍ صغير.

مرّ بقربهما بعد قليل، فنظر إلى وجه صفية نظرةً سريعةً فيها شيءٌ من التفرس، ثم قال جملةً عابرة وكأنه يخاطب نفسه:

— بعض الطرق لا تُسافر فيها الأقدام وحدها، بل الأنساب.

ولم يستوقفاه ليسألاه، فقد مضى الرجل كما يمرّ الغرباء الذين يقولون كلمةً ثم يذوبون في الزحام.

غير أن صفية حفظت العبارة كما تحفظ القلوب ما يلقيه الله إليها في أشكال الناس.

الباب الخامس: في الطائرة، حين تكلم الغيم، وتكلم الخوف، وتكلم الحب أيضًا

حين أقلعت الطائرة، شعرت صفية للحظةٍ أن الأرض كلها تنسحب من تحتها، لا على المعنى المادي وحده، بل على المعنى النفسي أيضًا.

فالإنسان إذا صعد إلى الجو، لم يعد بينه وبين الأماكن إلا قدرٌ من الهواء والزمن، وهذا وحده كافٍ لأن يجعل الحقائق أشد وقعًا.

جلست إلى جوار النافذة.

كانت ترى الغيم ممتدًا كأنه بلادٌ بيضاء لا تعرف الحدود.

وفي مثل هذه المواضع، يخفُّ صخب العالم قليلًا، وتعلو الأصوات الداخلية.

قالت لسعيد وهي تنظر إلى البياض الهائل:

— ماذا لو لم أعرفهم من أول نظرة؟

قال:

— ستعرفين.

قالت:

— وماذا لو عرفوني هم قبل أن أعرفهم أنا؟

ابتسم وقال:

— هذا أجمل.

ثم سكتا.

وبعد حين قالت:

— أتخيل أمي كثيرًا، لكنني لا أعرف هل الصورة التي في رأسي تشبهها حقًا.

قال:

— لا يهم أن تشبهها الصورة. يكفي أن يشبهها قلبك حين تراها.

مالت إليه قليلًا، وقالت بصوتٍ أخفض:

— أخاف من الفرح أيضًا.

فنظر إليها طويلًا، ثم قال:

— لأن الفرح إذا جاء بعد حرمانٍ طويل، جاء كبيرًا حتى ليبدو كأنه خطر.

قالت:

— نعم.

فقال:

— لكن الله لا يفتح بابًا بهذا القدر من الإعداد ليتركه ناقصًا.

وفي منتصف الرحلة، غفت صفية غفوةً قصيرة.

ورأت في غفوتها شيئًا كأنه رؤيا صغيرة عابرة:

رأت طفلةً تقف أمام بابٍ عظيم، تحمل في يدها خيطًا أخضر طويلًا، وكلما خافت أن تضيع، ظهر من وراء الباب نورٌ يشد الخيط إليه.

فلما اقتربت، انفتح الباب، ولم ترَ الوجوه أولًا، بل سمعت من الداخل كلمة: تعالي.

انتبهت من غفوتها وقلبها يخفق.

التفتت إلى سعيد، وقالت:

— رأيت شيئًا غريبًا.

فقال:

— خيرًا؟

قالت:

— نعم… لكنه خيرٌ يُبكي.

فلم يسألها عن تفاصيله، لأنه عرف من عينيها أن بعض الرؤى لا تحتاج إلى تفسيرٍ لحظي، بل إلى أن تُترك في القلب حتى تكتمل في الواقع.

الباب السادس: المحطة الوسيطة، والعجوز التي حكت عن ابنةٍ لم تلدها لكنها أحبتها

توقفت رحلتهما في محطةٍ وسيطة قبل الوصول الأخير.

وكان عليهما أن ينتظرا بعض الوقت في صالةٍ أقل ازدحامًا من الأولى، وأكثر هدوءًا.

جلست صفية قرب النافذة، وأخذت تتأمل الناس من بعيد، بينما ذهب سعيد ليأتي ببعض الماء.

وكانت إلى جوارها امرأةٌ عجوز، يشفّ وجهها عن تعب السنين، لكن عينيها فيهما بقايا دفءٍ لا يذهب مع العمر.

نظرت العجوز إلى صفية قليلًا، ثم قالت من غير تمهيد:

— أنتِ ذاهبة إلى أحدٍ تحبينه كثيرًا.

التفتت صفية بدهشة، وقالت:

— كيف عرفتِ؟

فقالت العجوز:

— لأن وجه المنتظرين يشبه بعضه، سواء انتظروا ولدًا أو أخًا أو أمًّا أو وطنًا.

ثم سكتت قليلًا، وعادت تقول:

— كان لي جارةٌ في شبابي، ماتت وهي تلد، وتركت طفلةً لم تكن ابنتي، لكنني أحببتها كما لو كانت من دمي. كبرت الطفلة، ثم سافرت، ثم تزوجت، ثم ضاعت أخبارها لسنوات. كنت كلما رأيت باب البيت الذي كانت تدخل منه أحسست أن الفراغ نفسه ينظر إلي. ثم عادت بعد سنين طويلة. أتدرين ما أول شيء فعلته؟

قالت صفية وقد غمرها الانتباه:

— ماذا فعلت؟

قالت العجوز:

— لم تتكلم. وضعت رأسها في حجري وبكت. وعرفت يومها أن بعض الأرحام لا تصنعها الولادة وحدها.

رجع سعيد فوجدهما على هذه الحال.

جلست العجوز بعدها قليلًا، ثم نهضت، وقبل أن تمضي وضعت يدها على رأس صفية كما تفعل الجدات، وقالت:

— حين تصلين، لا تتعجلي أن تكوني امرأةً كبيرة. دعي الطفلة التي ضاعت تبكي أولًا.

ولما مضت، ظلت صفية صامتةً طويلًا.

فسألها سعيد:

— ماذا قالت لك؟

قالت:

— قالت لي ما كنت أخاف أن أقوله لنفسي.

ثم حدّثته بما دار.

فقال:

— يبدو أن الطريق كله يهيئك لهذه اللحظة.

قالت:

— كأن الله يرسل إليّ وجوهًا صغيرة لتعلمني كيف أصل.

الباب السابع: أول وجه لبخارستان، والرعدة التي قالت لها إنها ليست غريبةً تمامًا

لما بدأت بخارستان تلوح في الأفق الأخير، أحست صفية بشيءٍ لا يشبه الفرح الخالص ولا الرهبة الخالصة.

كان شعورًا أقرب إلى التعرف الغامض؛ كأن الروح تلمح من بعيد موضعًا كانت تعرفه قبل أن يولد وعيها به.

كانت الطرق هناك مختلفة، والهواء يختلف، واللهجات تختلف، والوجوه تختلف.

لكن شيئًا واحدًا لم يختلف: إحساسها بأنها ليست داخلةً على بلدٍ جديدٍ تمامًا، بل على أثرٍ قديمٍ من نفسها.

نزلت من وسيلة النقل الأخيرة، فلفح وجهها هواءٌ أبرد من هواء بلادها، وفيه رائحةُ أرضٍ ممزوجةٍ بخشب البيوت القديمة ورطوبة الحدائق والسماء المفتوحة.

تنفست بعمق، ثم أغمضت عينيها لحظة، وشعرت أن قلبها يقول لها:

هنا مرّ شيءٌ منكِ قبل أن تعرفيه.

سألت سعيدًا وهي تنظر حولها:

— هل يبدو عليَّ الاضطراب؟

قال وهو يبتسم:

— يبدو عليكِ أنكِ في منتصف معجزة.

وكان يختار كلماته أحيانًا كما يختار الرجل موضع الدرع على جسد من يحب.

فابتسمت ابتسامةً خفيفة، لكنها لم تُطفئ ما فيها من رجفة.

بل زادتها وعيًا بعظمة اللحظة.

ومضيا في الطريق نحو البيت.

وكانت الشوارع تمرّ عليهما ببطءٍ شديد في عين صفية، حتى خُيّل إليها أن العربات تمشي أبطأ من عادتها، وأن الناس أنفسهم يتحركون على هيئة انتظار.

وبين كل شارعٍ وشارع، كانت تقول في نفسها:

ربما عبر أبي من هنا.

ربما مشت أمي في هذا الطريق وهي تحمل سرّي.

ربما بكت هنا.

ربما دعت هنا.

ولم يكن عندها على شيءٍ من ذلك دليل، لكن القلب إذا اقترب من الحقيقة أخذ ينسج حولها احتمالاتٍ تشبه الأدعية.

الباب الثامن: الطريق إلى البيت، وما حكاه السائق عن المدينة القديمة

كان السائق رجلاً في أواسط العمر، هادئ الصوت، من أولئك الذين يحبون الكلام الخفيف في الطريق الطويل.

وحين عرف أن ضيفيه عربيان، صار يحدّثهما عن بخارستان وناسها وأحيائها القديمة، وعن البيوت التي ما تزال تحتفظ بشكلها الأول، وعن العائلات التي بقيت في المدينة جيلاً بعد جيل.

قال وهو يشير إلى حيٍّ قديم مرّا به:

— هنا أقدم البيوت. العائلات العتيقة تحب هذا المكان. يقولون إن الحجر نفسه يتذكر أسماء ساكنيه.

ولمّا قال الجملة الأخيرة، التفتت صفية إليه بسرعة.

لم يفهم سبب التفتتها، أما هي فقد أصابتها العبارة في الصميم.

الحجر نفسه يتذكر أسماء ساكنيه.

فكيف بقلوب الآباء؟

سألته:

— وهل الناس هنا يعرف بعضهم بعضًا جيدًا؟

قال:

— في الأحياء القديمة؟ نعم، إلى حدٍّ بعيد. الأبواب هنا تحفظ القصص أكثر مما تحفظها السجلات.

ولم تكن تعلم أن كلماته البسيطة صارت في قلبها تمهيدًا داخليًا:

إذا كانت الأبواب تحفظ القصص، فربما كان الباب الذي ستطرقه بعد قليل قد حفظ اسمها عشرات السنين من غير أن يراه أحد مكتوبًا عليه.

وفجأةً، بينما السيارة تقترب من الحي المقصود، مرّا بجانب فتاةٍ صغيرة كانت تركض خلف طائرٍ أبيض.

تعثر الطائر ثم عاد فارتفع، فضحكت الفتاة وركضت خلفه.

تأملت صفية المشهد لحظة، ثم قالت لسعيد:

— هل تظن أن الأشياء الصغيرة التي نراها في الطريق تأتي عبثًا؟

قال:

— أحيانًا تكون مجرد أشياء صغيرة.

ثم التفت إليها بابتسامةٍ عارفة وأضاف:

— وأحيانًا تكون رسائل متنكرة.

فقالت:

— أشعر أنني أنا الطائر… أو الطفلة… لا أدري.

فضحك، وقال:

— لا يهم. المهم أنكِ تقتربين من بيتك.

وهنا انخفض رأسها قليلًا.

ولم تصحح له العبارة.

لأن كلمة بيتك في تلك اللحظة كانت أكبر من أن تُناقش.

كانت كلمةً تلمس شيئًا لمسته قليلًا من قبل في الرؤى، وها هو الآن يقف على حافته.

الباب التاسع: لحظة الباب، حين صار الجسد كله نبضًا

توقفت السيارة أخيرًا.

وقال السائق:

— وصلنا.

ولم تتحرك صفية للحظة.

كان البيت أمامها.

بيتٌ عادي في مظهره الخارجي، ببابه ونوافذه وحديقته الصغيرة.

لكن الأشياء العادية إذا حملت في داخلها قدرًا عظيمًا، خرجت من عاديّتها وصارت مخيفةً من شدة ما فيها من معنى.

نزل سعيد أولًا، ثم دار ليعينها.

وضعت قدمها على الأرض، وشعرت أنها لا تنزل من سيارة، بل من مرحلةٍ كاملة من حياتها.

رفعت رأسها فرأت الباب، ورأت في نافذةٍ جانبية ستارةً خفيفة تتحرك، كأن البيت نفسه يتنفس.

قال سعيد بصوتٍ منخفض:

— أنا معك.

ومشيا خطواتٍ بطيئة.

كانت المسافة بينهما وبين الباب قصيرةً في حساب النظر، لكنها طويلةٌ في حساب القلب.

حتى إذا وقفت أمامه، شعرت أن يدها أثقل من أن ترتفع.

رفعتها مرةً ثم أنزلتها.

ثم رفعتها ثانية.

ثم نظرت إلى سعيد نظرةً خاطفة.

فقال:

— اطرقي.

طرقت طرقًا خفيفًا.

ثم ساد صمتٌ قصير، لكنه كان كافيًا ليعبر في داخلها عمرٌ كامل.

ثم سمعت وقع خطواتٍ من الداخل.

خطواتٍ بطيئة، أقرب إلى الحذر من الاستعجال، كأن من في البيت لم يكن يتوقع زائرًا عاديًا.

وفي الثواني القليلة السابقة لفتح الباب، حدث في داخل صفية ما لا يمكن وصفه وصفًا دقيقًا.

كأن كل الأعمار التي عاشتها دفعةً واحدة صعدت إلى حلقها.

الطفلة، والشابة، والمكسورة، والمريضة، والمتعافية، والزوجة، وصاحبة الرؤيا، كلها وقفت في لحظةٍ واحدة عند عتبة الباب.

حتى إذا انفتح…

توقفت الدنيا.

الباب العاشر: الوجه الأول، والكلمة الأولى، وسقوط السنوات كلها في حضنٍ واحد

انفتح الباب.

وظهرت امرأة.

ولم تحتج صفية إلى أكثر من ثانيةٍ واحدة لتعرف أن هذه ليست مجرد امرأةٍ في بيتٍ غريب.

كان في وجهها شيءٌ لا يُفسَّر بالشبه وحده، ولا بالحدس وحده، بل بشيءٍ أعمق من ذلك: يقينُ الدم إذا رأى أصله.

حدقت المرأة فيها طويلًا.

وكان في عينيها شيءٌ من الإرهاق النبيل، وشيءٌ من وجعٍ قديمٍ لم يمت، وشيءٌ من الرقة التي لا تكون إلا في الأمهات أو في النساء اللواتي عشن مع الحزن حتى صار في ملامحهن وقار.

قالت المرأة بصوتٍ خافت:

— نعم؟

لكن “نعم” هذه لم تكن سؤالاً عادياً، بل كانت جسرًا بين عالمين.

فتحت صفية فمها لتتكلم، غير أن الصوت تأخر، وسبقتها الدموع.

اهتزت شفتاها، وتحركت حنجرتها، ثم خرج الاسم أخيرًا كما تخرج الأرواح إذا فاض بها الصبر:

— أنا… صفية.

لم تسقط الجملة في الهواء.

سقطت مباشرةً في قلب المرأة.

تبدلت ملامحها، وتراجع لونها، واتسعت عيناها على نحوٍ لا يملكه التمثيل ولا المبالغة.

ثم قالت بصوتٍ مرتجف:

— صفية…؟

وكان هذا الترديد في ذاته اعترافًا قبل أن يكون سؤالاً.

خطت المرأة خطوةً نحوها، ثم خطوةً أخرى، ثم رفعت يدها المرتعشة ولمست خدّها، كما تلمس الأمهات الأحلام إذا تجسدت أمامهن خشية أن تكون مناماتٍ أخرى.

وقالت، وكأن الكلمات تُنتزع من قلبها انتزاعًا:

— يا رب…

ثم انهارت في حضنها.

ولم يكن ذلك عناقًا بين امرأتين، بل بين عمرين افترقا قسرًا ثم التقيا دفعةً واحدة.

بكت المرأة بكاءً مكتومًا أول الأمر، ثم انفجر بكاؤها كما ينفجر السيل إذا كُسرت حواجزه.

أما صفية، فلم تعد تعرف هل هي المرأة التي جاءت من السفر، أم الطفلة التي أخيرًا وجدت صدرها الأول.

وفي الداخل، كان صوتٌ رجولي يقترب على عجل.

ثم ظهر رجلٌ على باب الممر.

وقف، ونظر، ورأى المشهد، وسمع الاسم، فإذا بالحذر الذي كان في وجهه يتحول إلى ذهولٍ كامل.

رفعت صفية رأسها من حضن أمها، ونظرت إليه.

ولم تقل له في البداية شيئًا.

لكن عينيها قالتا ما لم تحتمله الشفتان:

أنا ابنتكما التي لم تمت.

ثم نطقتها.

وهنا، دخل الأب إلى المشهد كما يدخل الرجال إلى المواضع التي تسبقهم إليها قلوبهم منذ سنين.

اقترب ببطء، لا من ضعفٍ، بل من ثقل اللحظة.

وقف أمامها، وقال بصوتٍ مكسور مهيب:

— صفية؟

فقالت وهي تبكي:

— نعم يا أبي.

وكانت هذه الجملة، في تلك اللحظة، أكبر من كل الحكايات التي سبقتها.